إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان التعامل بالربا مع بنوك الكفار
المجيب
د. مصطفى بن كرامة مخدوم
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبـد العزيز
التاريخ الاربعاء 05 ربيع الثاني 1430 الموافق 01 إبريل 2009
السؤال

ما هي الأدلة الشرعية المقنعة على تحريم التعامل بالربا مع البنوك التي يملكها الكفار في الوضع الاقتصادي العالمي الحالي مع كون الكفار أصلاً غير ملزمين بالخضوع لشريعة الإسلام حال كفرهم؟.

الجواب

الجواب: يحصل ببيان أمرين:
(1) حكم التعامل بالربا مع بنوك الكفار.
(2) تكليف الكفار بالأحكام العملية.
أما الأول: فإن جمهور العلماء ومنهم أبو يوسف من فقهاء الحنفية يذهبون إلى تحريم التعامل بالربا تحريماً عاماً فيشمل الربا مع البنوك التي يملكها غير المسلمين، وذلك لأمور:
أ- أن الأدلة الشرعية تحرم الربا تحريماً عاماً لم يفرق فيه بين المسلمين وغيرهم كقوله –تعالى-: "وحرم الربا"[البقرة: 275] وقوله –تعالى-: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين"[البقرة: 278]،، وقوله – صلى الله عليه وسلم- : "لعن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- آكل الربا ومؤكله وكاتبه، وشاهديه" رواه مسلم(1598) من حديث جابر –رضي الله عنه-.
وقد تقرر عند علماء الأصول أن الأدلة العامة لا يجوز تخصيصها بغير دليل، ولم يثبت تخصيصاً لهذه الأدلة يستثني الكفار.
كما تقرر في علم الأصول أن الدليل العام عام في متعلقاته من الزمان والمكان، والحال، والأشخاص فمعنى الآية الأولى: (إن الله حرم الربا في كل مكان وفي كل زمان وعلى أية حال ومع كل أحد).
ب- إن الله -سبحانه وتعالى- يحرم الفعل لما فيه من المفاسد الراجحة، ومعلوم أن مفسدة الظلم وأكل أموال الناس بالباطل موجودة في الربا مع غير المسلمين، كما هي موجودة في الربا مع المسلمين.
والمسلم مأمور بالعدل والإنصاف، ومنهي عن الظلم حتى مع الكفار، كما قال سبحانه: " وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى"
[المائدة: من الآية8].
إن الأصل في المحرمات الامتناع عنها مطلقاً، كما هو الحال في الزنا والقمار، فإنهما محرمان تحريماً عاماً لا فرق فيه بين المسلمين وغيرهم، ولو أجزنا الربا مع الكفار في بلادهم للزم إباحة سائر المحرمات في حقهم كالزنا والقمار وهذا باطل بالإجماع.
وأما الأمر الثاني وهو تكليف الكفار بالأحكام العملية كتحريم الربا ونحوه، فإن جمهور العلماء على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وأحكامها العملية، كما هم مخاطبون بأصول الإيمان ولكن لا يصح منهم ذلك إلا بتقديم الإيمان، وأنهم سيحاسبون يوم القيامة على جميع أعمالهم، ويعاقبون عليها، ومنها ترك الأحكام العملية.
ويدل على ذلك قوله تعالى: " ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين" [المدثر: 42-46] فأخبروا أنهم يعذبون على الكفر وعلى ترك الأحكام العملية.
ومثله قوله –تعالى-: " وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ" [فصلت:6-7]. فتوعدهم على ترك الزكاة كما توعدهم على ترك الإيمان بالآخرة.
فالكفار ملزمون شرعاً ومأمورون ديانة بالخضوع لشريعة الإسلام حتى في حال كفرهم، والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ