إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان علاقة الأسماء بشخوص المسمَّين
المجيب
د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاربعاء 25 شوال 1425 الموافق 08 ديسمبر 2004
السؤال

ما حكم استخراج واستنباط معاني للأسماء وأن هذا الاسم صاحبه مثلاً اجتماعي أو ذو شخصية قوية أو يحب التحدي، ومن ذلك مثلاً اسم (حمزة) رمز القوة والإصرار متواصل اجتماعيًّا وينجح في العلاقات العامة. . . شخصية قوية ويفرض ما يراه على من حوله، عميق التفكير ولا يرتاح حتى يحقق ما يريد! هناك متجر يجعل هذه المعاني على أشياء ويبيعها، وكل شخص يطلب منه أن يجد له معنى لاسمه وهكذا، فما الحكم في ذلك؟ وهل قول الرسول عليه الصلاة والسلام- أن لكل شخص نصيبًا من اسمه، أو ما حدث بين عمر، رضي الله عنه، مع أحد الأعراب عندما سأله عن اسمه ومن أي القبائل هو، فقال أن اسمه شهاب وأنه من قبيلة لظى فقال له: الحق بأهلك فقد احترقوا. . . أرجو إجابة شافية كافية وافية. وجزاكم الله خيرًا.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
حث النبي صلى الله عليه وسلم على اختيار الاسم الحسن المشتمل على الصفات الحميدة والمعاني السامية، وأخبر أن الناس يُدعون يوم القيامة بأسمائهم، فقال: "إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ ". أخرجه أبو داود ( 4297 ) من حديث أبي الدرداء، رضي الله عنه. وندب إلى التسمي بأسماء الأنبياء، فقال: "تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. . . . ". أخرجــه أبـو داود ( 4299 ) والنسـائي (3565) من حديث أبي وهب الجشمي، وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم تغيير الاسم القبيح بالاسم الحسن على وجه التفاؤل والتيمُّن؛ لأنه كان يعجبه الفأل الحسن، وقد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم العديد من الأسماء، مثل اسم (عاصية) إلى (جميلة)، كما جاء في صحيح مسلم (2139)، من حديث ابْنِ عُمَر، رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَيَّرَ اسْمَ (عَاصِيَة)َ وَقَال: "أَنْتِ (جَمِيلَة)ُ". وغير اسم (بَرَّةَ) إلى (زينب).
وعن أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ زَيْنَبَ كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ فَقِيلَ: تُزَكِّي نَفْسَهَا. فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَيْنَبَ. أخرجه البخاري (6192)، ومسلم (2141).
ومثل اسم (أصرم) إلى (زرعة)، فعن أُسَامَةَ بْنِ أَخْدَرِيٍّ، أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَه: أَصْرَمُ. كَانَ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا اسْمُكَ؟". قَالَ: أَنَا أَصْرَمُ. قَالَ: "بَلْ أَنْتَ زُرْعَةُ". أخرجه أبو داود (4954).
وأخرج الإمام أحمد في مسنده (769 ) من حديث عَلِيٍّ، رضي الله عنه، قَالَ: لَمَّا وُلِدَ الْحَسَنُ سَمَّيْتُهُ حَرْبًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟". قَالَ: قُلْتُ: حَرْبًا. قَالَ: "بَلْ هُوَ حَسَنٌ". فَلَمَّا وُلِدَ الْحُسَيْنُ سَمَّيْتُهُ حَرْبًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟". قَالَ: قُلْتُ: حَرْبًا. قَالَ: "بَلْ هُوَ حُسَيْنٌ". فَلَمَّا وُلِدَ الثَّالِثُ سَمَّيْتُهُ حَرْبًا، فَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟". قُلْتُ: حَرْبًا. قَالَ: "بَلْ هُوَ مُحَسِّنٌ". ثُمَّ قَالَ: "سَمَّيْتُهُمْ بِأَسْمَاءِ وَلَدِ هَارُونَ شَبَّرُ وَشَبِيرُ وَمُشَبِّرٌ . . . . ".
قال أبو داود: (وغيَّر النبي صلى الله عليه وسلم اسم العاص وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وحباب وشهاب فسماه هشامًا، وسمى حربًا سلمًا، وسمى المضطجع المنبعث، وأرضًا تسمى عفرة سماها خضرة، وشِعْبُ الضلالة سماه شعب الهدى، وبنو الزنية سماهم بني الرشدة، وسمى بني مغوية بني رشدة). قال أبو داود: تركت أسانيدها للاختصار). ينظر: سنن أبي داود ( 4956 ).
وفي تغيير هذه الأسماء ونحوها دليل على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تغيير الأسماء القبيحة والمشتملة على التزكية أو الذم أو المدح أو المعاني غير اللائقة، وليس المقصود من ذلك أن معنى الاسم يكون صفةً لازمة في الشخص، لأن الأسماء للدلالة والتعريف، وقد يوجد شيء من تأثير الأسماء في مسمياتها، ونوع من الارتباط، ولكن هذا ليس بمطرد.
قال الطبري رحمه الله: (لا ينبغي التسمية باسم قبيح المعنى، ولا باسم يقتضي التزكية له، ولا باسم معناه السب، ولو كانت الأسماء إنما هي أعلام للأشخاص، ولا يقصد بها حقيقة الصفة. لكن وجه الكراهة أن يسمع سامع بالاسم، فيظن أنه صفة للمسمى، فلذلك كان صلى الله عليه وسلم يحول الاسم إلى ما إذا دعي به صاحبه كان صدقًا). ينظر: فتح الباري ( 10/577).
وقال: (وليس تغيير رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غير من الأسماء على وجه المنع للتسمي بها، بل ذلك على وجه الاختيار، لأن الأسماء لم يسم بها لوجود معانيها في المسمى بها، وإنما هي للتمييز، ولذلك أباح المسلمون أن يتسمى الرجل القبيح بحسن، والرجل الفاسد بصالح، ويدل على ذلك قول جد ابن المسيب للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال له: "أنْتَ سَهْلٌ": لا أغير اسمًا سمَّانيه أبي. أخرجه البخاري (6190). فلم يلزمه الانتقال عنه على كل حال، ولا جعله بثباته آثمًا بربه، ولو كان آثمًا بذلك لجبره على النقلة عنه إذ غير جائز في صفته عليه السلام أن يرى منكرًا وله إلى تغييره سبيل). ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال 9/348.
ومن خلال ما سبق يعلم أن الأسماء هي أعلام للأشخاص، وليس من تسمى باسم معناه أن ما يحمله الاسم من صفة ومعنى موجودة فيه، فهذا خلاف الواقع، فإن هناك من تسمى بأسماء صالحة وحسنة وتكون أخلاقه وشمائله غير ذلك، والعكس أيضًا، وعلى هذا فمن الخطأ المبالغة في هذا الجانب، وأخذ صفات الأشخاص من أسمائهم والاستدلال بها على أخلاقهم وشمائلهم مثل ما ذكر السائل، وفقه الله، وأما ما جاء عن عمر، رضي الله عنه، فمن المعلوم أن عمر، رضي الله عنه، كان محدَّثًا مُلهَمًا، وقد انقدح في نفسه حينما سمع هذه الأسماء، وتنبأ بحصول احتراق مسكن الرجل، ومثله العابر الذي ينقدح في نفسه حينما يسمع الرؤيا فيأخذ من الأسماء ما يدل على تعبيرها وتأويلها مثل ما جاء في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ، فَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ، فَأَوَّلْتُ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا وَالْعَاقِبَةَ فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ". أخرجه مسلم ( 2270 ). هذا والله أعلم.
وأما ما جاء في السؤال من أن لكل شخص نصيبًا من اسمه، فهذا لا تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من الأقوال السائرة المعروفة، وقصة عمر، رضي الله عنه، مع الرجل، أخرجها الإمام مالك في الموطأ (1541) عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رضي الله عنه، قَالَ لِرَجُلٍ: مَا اسْمُكَ؟ فَقَالَ: جَمْرَةُ. فَقَالَ: ابْنُ مَنْ؟ فَقَالَ: ابْنُ شِهَابٍ. قَالَ: مِمَّنْ؟ قَالَ: مِن الْحُرَقَةِ. قَالَ: أَيْنَ مَسْكَنُك؟َ قَال: بِحَرَّةِ النَّارِ، قَال: بِأَيِّهَا؟ قَالَ: بِذَاتِ لَظًى. قَالَ عُمَرُ، رضي الله عنه: أَدْرِكْ أَهْلَكَ فَقَدْ احْتَرَقُوا. قَالَ: فَكَانَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رضي الله عنه.
قال الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار ( 8/514 ) معلقًا على هذا الأثر:
(لا أدري ما أقول في هذا، إلا أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سَيَكُونُ بَعْدِي مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فَعُمَرُ ". انظر صحيح البخاري (3689). وقد يوجد هذا في مَنْ دون عمر من الذكاء وحسن الظن حتى لا يكاد يخطئه ظنه، والله عز وجل أعلم، في احتراق أهل المخبر، وكأنه من نحو ما روي من قوله صلى الله عليه وسلم: " البَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ". أخرجه القضاعي (227). فصادف قوله قدرًا سبق في علم الله عز وجل). هذا والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ