الفهرس خزانة الاستشارات استشارات دعوية وإيمانية أساليب الدعوة الصحيحة دعوة الوالدين

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

هل يستحق والدي كل هذا البر؟!

المجيب
مرشد طلابي بالمعهد العلمي بالأحساء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
التاريخ الخميس 17 ربيع الأول 1428 الموافق 05 إبريل 2007
السؤال

أنا متزوج امرأتين، ولي عدد من الأبناء والحمد لله, أعيش مع أبي وأمي وكلتا زوجتي وأبنائي في بيت أبي. نقوم أنا وزوجتاي بطاعة أبي وإرضائه قدر المستطاع، ولكنه لا يرضى أبدا، وكثيرا يتعامل بالسب والإهانات لأتفه الأسباب، وكثيرا ما يقوم بضرب والدتي وأبنائي لأتفه الأسباب. يتحكم في أكلنا وشربنا ونومنا وأعمالنا ودخولنا وخروجنا وغير ذلك، مما أحرجني أمام زوجتي، وأحال حياتي وحياتهما إلى جحيم. وكثيراً ما يهينني أمام الضيوف، وخاصة أمام أهل زوجتي قائلا لهم: إنني لست كفؤا للجمع بين زوجتين.وكثيرا ما يحرض إحداهما على الأخرى إذا ما وجد الفرصة لذلك، وإذا ما خلا بإحداهما أخبرها بأنني لا أريدها، وأنني أفضل الأخرى عليها، وذلك بقصد إثارة الفتنة بينهما وبيني، ولكنهما فهمتا ماذا يقصد.
طردني وأمرني بالخروج من بيته مرات كثيرة، ولكنني فضلت الصبر براً به، ولكي لا أتركه وحيدا وهو رجل كبير، وفي إحدى المرات قام بضربي أمام الضيوف من دون سبب، فقررت الخروج من البيت، ولكنه منعني من ذلك. دعوت أعمامي وإخوتي وأخوالي وأبناء أعمامي، وتدخلوا لديه لإصلاح الشأن، ولكن لا فائدة، وشهدوا جميعاً بأنه على خطأ.
منذ أربعة أشهر منعني من مقابلته والسلام عليه حتى في رمضان والعيدين من دون سبب. وقد علمت مؤخرا أنه اشترط للمصالحة أن أقوم بطلاق إحدى الزوجتين وإبقاء الأخرى، ولي الخيار بينهما، أو أن أقوم بالزواج بامرأة ثالثة. والحقيقة أنني أرفض هذه الشروط التي تدمر أسرتي، وتشتت أبنائي، فأبي يريد أن يحملني ما لا أطيق. علماً أن زوجتيَّ تطيعانه وتحترمانه، وقد تزوجتهما بإذنه وموافقته.

فهل أنا عاق لأبي إذا لم أنفذ أحد الشرطين؟
أريد أن أخرج للسكن في بيت آخر؛ وذلك للهروب بأولادي وزوجتيَّ من هذا الوضع السيئ، علماً أنه يوجد من يخدم أبي وأمي في البيت. فهل يجوز أن أخرج بدون موافقة أبي؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أسأل من جَلَّتْ قُدرته، وعَظُمت نِعمته، وجلَّ ثناؤه، أن يُبدِلَ هَمَّكَ فرَجا، وحُزنك فَرَحا، وأن يُسعدك سعادة تامة تامة تامة في الدنيا والآخرة، ويكتبكَ عنده من الأبرار، وأن يؤلف بين قلبك وقلب زوجتيك على الخير، ويبارك لَكُم فيما رزقكم، ويَصرف عنكم شياطين الإنس والجن، ويكتب لكم الخير أين كان، اللهم آمين.
أخي الحبيب (الشاكي إلى الله):
الحمد لله الذي مَنَّ عليك بنعمة الزواج، ومَنَّ عليك بنعمة الولد، ومَنَّ عليك بنعمة وجود الوالدين، ومَنَّ عليك بالعمل للبِر بهما، ونِعمَ ما تفعل.
ثم إني أقدِّر ما تَشعر به من ضِيق، وأشعر بما تُحسه من ألم، وأدرك أنكَ تأمل أن يكتُبكَ الله ممن بَرَّ بوالديه، وأن تكون علاقتهما معك وأزواجك وذريتك على أحسن ما يكون.. ومع هذا أَزُفُّ إليكِ بشارتين:
الأولى:
عن أبي الدرداء رضي الله عنه، سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه" رواه الترمذي (1900)، وابن ماجة (3663)، وصححه الألباني رحمه الله.
اعلم أخي الكريم أنك على خير عظيم، وأن الله قد اخْتَصَّك بمزيَّة كبيرة حُرم منها آخرون.. فُتِحَ لك باب إلى الجنة، وَهيئت لك السُبل للدخول من خلاله، وقد قطعت شوطاً كبيراً إليه، فا الله لله أن يغلق دونك؛ فإني أرجو أن يكتبكَ الله باراً بوالديك، مستوجباً الأجر العظيم من مولاك الكريم سبحانه وتعالى.
الثانية:
يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" أخرجه البخاري (5642)، ومسلم (2573).
كل أذى تحمَّلتَه جَرَّاء بِرك بوالدك، هو مِنْحَة مِنَ الله لكَ لِرِفْعة درجتك عنده سبحانه.
كل هَمَّ وحزن أصابكِ من خدمتك لوالديك، هو تكفير للذنوب بإذن الله تعالى.
كل نصب ووصب أحسستَ به لتأليف قلوب زوجتيك وأبنائك مع والديك، هو زيادة في الخيرات عند رب الأرض والسموات إن كُنْتَ صابراً محتسباً.
وإني هنا أشير عليك بالتالي:
1- استصحب النية الصالحة في بقائك مع والديك، وفي تَحملكَ لتصرفاتهم، قال مطرف بن عبد الله بن الشخير رحمه الله: صلاح العمل بصلاح القلب، وصلاح القلب بصلاح النية. ويقول ابن القيم رحمه الله: ( وعلى قدر نية العبد، وهمته، ومراده، ورغبته، يكون توفيقه سبحانه وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم، ونياتهم، ورغبتهم، ورهبتهم ).
فشمِّر أخي عن ساعد الجد.. كيف لا، وقد جعله نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم أحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الصلاة، قال ابن مسعود رضي الله عنه، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله: ( قال الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قلت ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) أخرجه البخاري (527)، ومسلم (85).
2- أَشْرِكْ زوجتيك وأبناءك معك فيما تهدف الوصول إليه من بِرِّك بوالديك، ذَكِّرهم بالأجور الكبيرة التي أعدها لله للمحسنين، بين لهم قاعدة ( بروا آباءكم تبركم أبناؤكم )، وضح لهم منزلة البر عند الله، واضرب بعض المُثل للسلف الصالح في تعاملهم مع والديهم. مع التأكيد على أن رضاك عنهم من رضا والديك.. فإن الوالدين هما صاحبا السبق في المعروف..
يا والدي.. حقٌّ أريدُ وفاءهُ
ومن المحالِ وفاءُ حقِّ البادي
يا والدي.. حبٌّ يبعثرُ خافقي
ستظلُّ دَوْماً مصدرَ الإسعادِ
ستظلُّ هامتيَ التي لن تنحني
حتى وإن كُبِّلْتُ بالأصفادِ
ستظلُّ نوراً في جبيني ساطعاً
يمحو ظلامَ بصيرتي وحِيَادي
فجزاكَ رب العرشِ خيرَ جَزَائهِ
وحماكَ منْ شرٍّ وَمِنْ أَحْقَادِ
قيل لعلي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم: أنت من أبر الناس، ولا نراك تؤاكل أمك !! فقال: ( أخاف أن تسبق يدي إلى ما قد سبقت إليه عينها، فأكون قد عققتها ).
وبكى الحارث العكلي في جنازة أمه، فقيل له: تبكي !؟، فقال: ولِمَ لا أبكي وقد أغلق عني باب من أبواب الجنة.
3- من البر بالوالد مناصحته بالتي هي أحسن إن رأيتَ منه تقصيراً في الواجبات الشرعية، كترك الصلاة، أو عدم الصلاة مع الجماعة، أو ارتكاب بعض المخالفات الشرعية، ولكن هذا النصح يجب أن يكون باللين، مع اغتنام الأوقات المناسبة التي تراه فيها هانئ البال، مسرور الخاطر.
مع ملاحظة أن ارتكابه لهذه المخالفات لا يُسوغ لك التفريط في معاملته بما ينبغي في حقه من واجبات عليك، وقد ذكر بعض أهل العلم جوانب من أمثلة البر بالوالد، من ذلك:
= طاعته في غير معصية، مع تقديم طاعته على طاعة من سواه.
= الإحسان إليه بأوجه الإحسان جميعها، والتلطف معه بالكلام، مع الحذر كل الحذر من نهره، أورفع الصوت عليه.
= الإصغاء إليه، وترك مقاطعته، أو رد حديثه أو تكذيبه.
= مقابلته بالبشر والترحاب، والتحبب إليه، والاستئذان حين الدخول عليه.
= تقبيل رأسه، ويده، والتوسيع له في المجلس، وعدم التقدم بين يديه.
= تجنب المنة عليه حين خدمته، مع اتهام النفس بالتقصير، وتجديد النية لمواصلة البر به.
= البعد عن إزعاجه حين نومه، أو برفع الصوت في حضرته، أو الشجار أمامه.
= تعويد الزوجات والأولاد على البر به.
= الاستنارة برأيه، والبعد عن لومه، والعمل على ما يسره، مع تفهم طبيعته، ومعاملته بمقتضى ذلك.
= كثرة الدعاء والاستغفار له .

4- لا يلزمك الاستجابة لطلب والدك تطليق إحدى زوجاتك، أو الزواج بثالثة، مالم تر من زوجاتك ما يسوء ، أو يكون هناك سبب ظاهر.. وليس ذلك من العقوق في شيء.
فقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله فيمن تزوج بامرأة ثم أرغمه والده على تطليقها، هل يستمسك بها فيعق أباه، أم يطلقها دون أن تقترف ذنبا؟
فأجاب: ( الحالة الأولى: أن يبين الوالد سببا شرعيا يقتضي طلاقها وفراقها، مثل أن يقول: طلق زوجتك، لأنها مريبة في سلوكها، كأن تغازل الرجال، أو تخرج إلى مجتمعات غير نزيهة، وما أشبه ذلك، ففي هذه الحال يجيب والده ويطلقها، لأنه لم يقل طلقها لهوى في نفسه، ولكن حماية لفراش ابنه من أن يكون فراشه متدنسا هذا الدنس.
الحالة الثانية: أن يقول الوالد للولد: طلق زوجتك لأن الابن يحبها، فيغار الأب على محبة ولده لها، والأم أكثر غيرة، فكثير من الأمهات إذا رأت الولد يحب زوجته غارت جدا، حتى تكون زوجة ابنها كأنها ضرة لها ـ نسأل الله العافية ـ ففي هذه الحال لا يلزم الابن أن يطلق زوجته إذا أمره أبوه بطلاقها أو أمه، ولكن يداريها ويبقي الزوجة، ويتألفهما ويقنعهما بالكلام اللين حتى يقتنعا ببقائها عنده، ولا سيما إذا كانت الزوجة مستقيمة في دينها وخلقها ) أ.هـ.
5- أوصيك أن تُحاول الجلوس مع والدك في وقت تراه مناسباً للتعرف عن أسباب عدم رضاه عنك، أو عن أزواجك، مع العمل على علاج هذه الأسباب ما أمكن.
وإن لم تكن هناك أسباب مقبولة، فاحتسب أجرك عند الله، وتَحمَّل ما يصيبك، وابق مع والدك قريباً منه؛ براً به، فإن رأيتَ أن الأمور وصلت إلى سلبية لا يُمكن أن تُحتمل، وأبدت زوجاتك ضيقاً، ورغبة في الانتقال، فاحرص على أخذ موافقته على الخروج إلى منزل آخر، واطلب شفاعة من يُمكن أن يؤثر عليه، مع تأكيد حرصك على رضاه، وزيارتك المستمرة لخدمته، وإنجاز ما يحتاج إليه.. فإن أصر على المنع، فلك الخروج إلى سكن مستقل.

جاء في التاج والإكليل نقلا عن ابن سلمون: ( من تزوج امرأة وأسكنها مع أبيه وأمه وأهله، فشكت الضرر، لم يكن له أن يُسكِنها معهم ) ( 6 / 287 ).
وذلك أن من حقوق الزوجة على زوجها أن يوفر لها مسكناً خاصاً، وخصوصاً إن حصل لها ضرر، أو عدم استقرار لسكناها مع أهله، كما هو الحال لديكم.
وقد نصَّ على ذلك الفقهاء رحمهم الله، قال أبو بكر الكاساني رحمه الله في بدائع الصنائع: " ولو أراد الزوج أن يُسْكِنَها مع ضرتها أو مع أَحمائها كأم الزوج وأخته وبنته من غيرها، وأقاربه، فأبت ذلك، فعليه أن يسكنها في منزل مفرد، لأنها ربما يؤذينها ويضررن بها في المساكنة، وإباؤها دليل الأذى والضرر". (8/169).
6- وقبل الخروج استخر الله في هذا الأمر، فقد روى البخاري (1166) عن جابر بن عبد الله –رضي الله عنهما- قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: " إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال في عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به" قال: ويسمي حاجته.
قال العلماء: وينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر؛ حتى لا يكون مائلا إلى أمر من الأمور، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه، فإن الخير فيه إن شاء الله. (تفسير القرطبي 13/ 307).
7- عليك بأعظم الأدعية في إذهاب الهمّ والغم والإتيان بعده بالفرج: الدعاء العظيم المشهور الذي حثّ النبي صلى الله عليه وسلم كلّ من سمعه أن يتعلّمه ويحفظه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا أَصَابَ أَحَداً قَطُّ هَمٌّ وَلا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجا قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا نَتَعَلَّمُهَا فَقَالَ بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا". رواه الإمام أحمد في المسند (1/391)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم 198).
8- وأخيراً إليك هذه القصة، ولاحظ ألا تعارض بينها وبين استقلالك بسكن مستقل إن رأيت ذلك.
أمي تملك عينا واحدة، هكذا يبدأ زيد قصته، وقد كرهتها لهذا السبب، فقد كانت تسبب لي الإحراج أمام زملائي في المدرسة؛ حيث إنها كانت تعمل في المدرسة كطباخة للتلاميذ والأساتذة من أجل إعالة أسرتنا.
في يوم من الأيام وخلال المرحلة الإعدادية، جاءت أمي إلى الصف لتلقي عليَّ التحية، فشعرت بالحرج الشديد، كيف يمكنها أن تفعل ذلك بي!؟
تجاهلتها ورمقتها بنظرة مليئة بالكره، وخرجت مسرعا.
في اليوم التالي قال لي أحد زملائي: أوووف !! أمك تملك عينا واحدة ! تمنيت لو أدفن نفسي، أو أحمل عصا سحرية، أخفي أمي من الوجود، عدت إلى البيت والغضب يملأ ني، وصرخت في وجه أمي قائلا:
لقد جعلتيني أبدو كالأضحوكة أمام زملائي، لم لا تموتين وتريحيني؟
أمي لم تجب ولا بكلمة واحدة، وأنا لم أفكر بكلامي من شدة غضبي، همي كان أن أنهي المدرسة، وأشق طريقي لأبتعد عن هذه الحياة، وأرتاح.
وبالفعل درست جاهداً حتى تخرجت من المدرسة، وحصلت على منحة للدراسة في بريطانيا.
اشتغلت وتزوجت، وأصبحت لي أسرة وأولاد، وكنت سعيداً في حياتي، إلى أن جاء ذلك اليوم عندما سمعت زائراً يطرق الباب، لأنصدم برؤية أمي أمامي، والتي لم أرها منذ سنوات، عندما رآها أبنائي بدؤوا بالضحك عليها، فما كان مني إلا أن صرخت في وجهها:
كيف تجرئين على القدوم إلى منزلي، وإخافة أبنائي بهذا الشكل، ارحلي من هنا الآن !!
فأجابتني أمي بكل هدوء: أعتذر لك بني، يبدو أنني أخطأت بالعنوان، واختفت بسرعة البرق.
وذات يوم وصلتني دعوة لحضور احتفال تقيمه مدرستي لكافة خريجيها، سافرت لوحدي، وعندما وصلت إلى بلدي، أصابني الفضول للمرور على منزل أمي، فطرقت الباب ولم يجب أحد، فإذا بأحد الجيران يقول لي بعد أن عرف من أنا، أمك توفيت ! ولكنها تركت لك رسالة طلبت منا تسليمها لك.
لم أحزن لسماع الخبر، ولم تنزل مني دمعة واحدة، أخذت الرسالة، فتحتها، وبدأت أقرأ:
ابني العزيز..
أنا أفكر بك طوال الوقت، أنا آسفة أني جئت إلى منزلك وأَخَفْتُ أبناءك، كم كنت سعيدة عندما عرفت بالاحتفال الذي تقيمه مدرستك، وأنك قد تكون ضمن الحضور، كم أنا مشتاقة لرؤيتك، ولكن أخشى أن المرض سيمنعني حتى من النهوض من السرير.
أي بني!
أنا آسفة أني سببت لك الإحراج، ولكن ما لا تعرفه أنك عندما كنت طفلا صغيرا أصبت بحادث فقدت بسببه إحدى عينيك، لم أحتمل فكرة أن أرى ابني يكبر بعين واحدة، لذا أعطيتك عيني، وكنت سعيدة وفخورة أنني سأرى العالم من خلالك.
أحبك يا بني / أمك
وأخيراً..
كتب الله لك السعادة في الدنيا والآخرة، وأنعم عليك ببر والديك، وزيادة إيمانك، وجمعك وأزواجك وذريتك في خير، وعلى خير.. اللهم آمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.