الفهرس خزانة الاستشارات استشارات دعوية وإيمانية عقبات في طريق الهداية

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

كنتُ مع جماعة التكفير!

المجيب
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التاريخ الاثنين 11 صفر 1429 الموافق 18 فبراير 2008
السؤال

أنا شاب ملتزم في ما مضى والآن كذلك، ودرجت على الفساد، ولا أحد يعلم ذلك إلا الله؛ والسبب أنني كنت مع جماعة التوحيد (التكفير)، وعندما بدأت الحملة على الجماعة بدأت ثقتي بالعلماء تتداعى؛ لأني مع فكري أحتفظ بالاحترام للمسلمين من سلفية وإخوان ودعوة وعلماء الدولة، ولكن عندما بدأ الكل يكفِّر الكل ويضلل الآخر، وصار الجهاد إجراماً على لسان كثيرين، فكأنما فقدت إيماني، وصرت من المفسدين في الأرض، وأكثر الذين أذيتهم هم من المتدينين والمتدينات، وكلما حاولت أن أتوب لا أقدر.. أسألكم النصح والدعاء.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
السـلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أولاً: أهنئك أيها الابن الكريم بوعيك بهذا التطور في حياتك، فهو يدل على وعي بالذات وإحساسٍ بالتغير، على حياة في القلب والفكر، كما أهنئك على سؤالك النصح والدعاء، فإن هذا يدل على تطلبك للحق، وبحثك عنه، ورجاءك إصابة هداية الله عز وجل وتوفيقه، وإني أبشرك أن من تطلّب الحق وسأل الله هدايته فإن الله لا يتخلى عنه ولا يخذله، ولكن يهديه ويسدده.
ثانياً: أؤكد عليك يا بني أهمية طلب العلم والتبصر فيه قبل اتخاذ المواقف، فإنك ذكرت تنقلك في المواقف ما بين جماعة معينة، وما بين إدانة للعلماء كافة، واتخاذ موقف من الجماعات ونحو ذلك.
لقد كان عليك قبل هذا أن تتأهل علميًّا، فإن من أهم مراحل إعداد العُدة، إعداد العُدة العلميَّة لأنه يعطيك القدرة على اتخاذ القرار الصحيح.
قال الله عز وجل: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ". [محمد:19]، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.
ثالثاً: ينبغي يا بني أن يكون اتخاذنا للمواقف منطلقاً من بصيرة علميَّة، وليس من الانطباعات النفسية، ولا من الانفعالات العاطفية، فاتخاذ الموقف من العلماء أو الجماعات ونحو ذلك ينبغي أن يكون مربوطاً بالبصيرة، والذي ألاحظه أن موقفك كان مربوطاً بالعاطفة؛ والانفعال العاطفي لا يهدي دوماً إلى رأي سديد، ولا إلى موقف صحيح؛ مالم يكن مؤيداً بنظر علمي، ونضوج عقلي.
رابعاً: أوافقك تماماً على إدانة من يصف الجهاد بالإجرام، ومن يتكلم عن الجهاد على أنه جريمة، فإن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وهو فريضة ماضية إلى قيام الساعة، ولا تستطيع قوة دولية ولا منظمة عالمية أن تلغي حكماً من أحكام الله عز وجل، ولكن كما أنه ليس الجهاد إجراماً، فأيضاً ليس الإجرامُ جهاداً، فنحن نرى جرائم ترتكب وتسمى جهاداً، وفريضة الله العالية التي هي ذروة سنام الإسلام براء من هذا الإجرام، ولا بد أن يكون عندنا من العلم ما نميز به بين الجهاد الفريضة الماضية المحكمة؛ وبين ما يفعل باسم الجهاد، وهو في حقيقته سفك الدماء المحرمة، وجناية على نفوس معصومة، وعدوان على مسلمين في بلاد الإسلام أو مدنين يحرم قتلهم وقتالهم.
خامساً: ذكرت أنك كنت مع جماعة التكفير، فإني أذكرك بخطورة هذا المسلك، وأحذرك بما حذَّر به النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما".
وأذكرك بما ذكر عن أبي الحسن الأشعري رحمه الله أنه قال لما حضرته الوفاة: أشهدوا علي بأني لا أكفر أحداً من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون لمعبود واحد.
قال الإمام الذهبي: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم.
فانظر إلى هؤلاء الأئمة أبي الحسن الأشعري وابن تيمية والإمام الذهبي، فهؤلاء قد خبروا الفرق، ودرسوا أحوالها ورجالها، وألفوا في الردود عليها، فهم من أعلم الناس بمقالات الفرق؛ ومع ذلك أثر هذا عندهم الورع الشديد أن يكفروا أحداً، فما بالك بغيرهم ممن لم يبلغ علمهم، ثم يتقحم شفير التكفير.
سادساً: أحذرك الحذر الشديد من الوقوع في الأعراض، وبخاصة أعراض العلماء والدعاة، فقد يكون بعض من تنتقصهم من العلماء ولياً لله مخلصاً له مجتهداً فيما يقول ويدع، والله عز وجل يقول في الحديث القدسي: "من عادى لي ولياً، فقد آذنته بالحرب". وإنه لا قِبلَ لأحد بحرب الله عز وجل.
سابعاً: أحذرك من أذية المؤمنين عامة، قال الله عز وجل: "وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا" [الأحزاب:58].
ويجب عليك إبراء ذمتك ممن تسببت لهم بالأذية –كما جاء في سؤالك– فمن تكلمت فيه بغير حق فإبراء ذمتك: بالتبرؤ مما قلته فيه، والاعتذار له إن كان وصله كلامك، ومن أخذت منه مالاً: فإبراء ذمتك بإرجاع ماله، وهكذا، وكل هذا مع الندم على ما فات، والعزم على عدم العود، وتصفية القلب من درن الحقد والبغضاء.
وأذكرك بقول نبيك صلى الله عليه وسلم: أن الله قد وضع عنكم الحرج إلا رجلاً اقترض عرض مسلم فذاك الذي حرج وهلك.
ثامناً: أنصحك يا بني ببناء الذات؛ بناء ذاتك بناءً علميًّا، وسلوكياً، وروحياً، واجتماعياً، وأن تجعل لنفسك خطة تبني بها شخصيتك، وتدخل في تنافس مع نفسك، بحيث تكون في كل يوم أفضل حالاً، علماً، وعملاً، وعبادةً، وخلقاً، ودعوة منك من اليوم الذي قبله.
فإذا أشغلت نفسك بذلك اتسعت آفاقك ومعارفك، وأصبحت على بصيرة من أمرك، وتتابع عليك تسديد من الله وتوفيقه، ويفيدك في ذلك سماع أشرطة د. صلاح الراشد.
تاسعاً: أنصحك أن تشغل نفسك بعمل خيري ذي نفع متعدٍ، فالجمعيات والأنشطة الخيرية كثيرة، فتبرع بجزء من وقتك وجهدك في المساهمة في عمل خيري، واختر من الأعمال الخيرية ما يناسب قدراتك ومواهبك وطاقتك وتفرغك، فقد تساهم بعمل علمي أو دعوي أو إغاثي؛ وإذا تبرعت بجزء من جهدك ووقتك لنفع الناس فإنك سوف تجد للحياة مذاقاً آخر، وستشعر أن كل يوم في حياتك عمر جديد.
عاشراً: اقرأ كتباً مفيدة تطور شخصيتك ومداركك وعلمك، اقرأ كتاب "جدد حياتك" للشيخ محمد الغزالي، وكتاب "الوابل الصيب" لابن القيم، و"تهذيب مدارج السالكين" لعبد المنعم العزي، و"تفسير ابن سعدي"، و"فقه السيرة" لمحمد الغزالي ونحوها، وستجد أنك تترقى بهذه القراءة، وتكتشف ذاتك وترتقي بنفسك.
وأولا وأخيراً عليك بكثرة الإلحاح على الله، ودعائه بالهدى والسداد والتوفيق والثبات على الحق، والاستعاذة من نزغات الشيطان وأهواء النفس، فإن الهدى هدى الله، ومن يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وسلام ربي ورحماته وبركاته عليك وعلى والديك.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

1 - حازم | ًصباحا 01:14:00 2010/01/03
بصراحة اشكركم جميعا واحترم ما قلتوه بناء على منظور علمي واقعي يصل الماضي بالمستقبل ونسأل الله عز وجل الهداية على طريقه بعيدا عن التعصب والكراهية بادعاء الحق كما تدعيه بعض الفرق