الفهرس خزانة الاستشارات استشارات دعوية وإيمانية قضايا إيمانية تربية النفس

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

قراءات غيرت حياتي!

المجيب
التاريخ الثلاثاء 21 صفر 1435 الموافق 24 ديسمبر 2013
السؤال

أنا شاب أقبلت على الجانب السلوكي من العبادة، وأصبحت مشغوفاً بقراءة كتب ابن أبي الدنيا، والدروس المتخصصة في الأخلاق، وشيئاً فشيئاً أصبحت أتورع في المال حتى لا يمكن لي أن أصف لك ما حدث لي، حيث أصبحت أرى الحرام في كل مكان، يعني مشكلات لا حصر لها، وأصبت بفقر نسبي، وأصبحت لا أجالس الناس؛ لأني كنت أرى أن الناس -كأصحابي وغيرهم- يغتابون أو يرتكبون المنهي عنه، وذلك يأتي بالمشكلات والمصائب والفقر، أي الابتلاء الذي كنت فيه، فاعتزلتهم فأصبحت في كارثة أكثر، حيث زادت الديون، وكانت عندي مشكلة نفسية فيما سبق فتنامت، وأصبحت لا أكاد أكلم الناس، وأن في داخلي أمراضاً نفسية منعتني من الصلاة في المسجد، بل الآن أنا أصلي واقفاً. أرشدوني مأجورين..

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
الأخ السائل الكريم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أولاً: أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويطمئن قلبك، ويذهب همك، ويزيل غمك، وأن يمن عليك بالتعلق به، والتوكل عليه، وأن يوفقك لذكره وشكره وحسن عبادته.
ثانياً: قراءتك في كتب الأخلاق والسلوك والتزكية أمر طيب، لكن ما كان ينبغي لك أن تغوص في أعماقها وتختار منها ما تريد وتفهمها بحسب تفكيرك دون استشارة أو توجيه من عالم يوقفك على ما ينفعك منها وما يناسب مستواك، ويبين لك الرؤية الواضحة أو الفهم الشامل لها وربطها مع غيرها من جوانب الحياة، لأن الإسلام دين وسطية واعتدال، ودين توازن وتكامل، ومن المعلوم أن وجود العالم المربي أمر مهم جداً في تزكية النفس، وعدم وجود المربي المرشد والموجه للخير قد يكون سبباً في سوء الفهم وخطأ الممارسة، ولقد كان كثير من أهل العلم يحذرون طلابهم من قراءة بعض الكتب حتى لا يطغى لديهم جانب على جانب، أو خشية عجزهم عن استيعاب ما جاء فيها.
ثالثاً: إن منبع التزكية ومصدرها الأول هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم القولية والعملية، وسيرة صحابته الكرام، وليس كل ما ينسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم صحيح، بل لا بد لك من التمييز بين الصحيح وغيره، فإن هناك ما لا تصح نسبته للرسول صلى الله عليه وسلم، بل هناك ما هو مختلق ومنتحل على الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد اشتملت بعض الكتب على شيء من ذلك، ومنها كتب ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى. وهذا يجعل ملازمة المعلم المربي المرشد من الأهمية بمكان، حتى يعلم الطالب السلوك الرشيد القويم بمنهجية وسطية معتدلة لا يطغى فيها جانب على جانب، ويكبح جماح الحماسة بلجام الشرع والعقل.
رابعاً: إن من حيل إبليس ومداخله الخفية الأخطاء في المفاهيم والممارسات التعبدية، بحيث يدخل على مريدي العبادة والزهادة بأن يريهم المباحات محرمات، ويريهم صوراً من التنطع والتشدد ورعاً، حتى يظنوا أن الناس هلكى إلا هم ومن على شاكلتهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكُهم (أو أهلكَهم)" رواه مسلم.

وقد حذر النبي الكريم من التنطع في الدين، والتوغل فيه بالتشدد، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدُّلْجَة".
وإن المبالغة في وصف تلبس الناس بالحرام يجعل نظرتك للناس سوداء، وتقطع صلتك بهم، وسوء الظن بالمسلمين واتهامهم بغير حق لا يجوز، وإن كانوا مخطئين ومرتكبين للحرام فالواجب دعوتهم ونصحهم وتعليمهم وتذكيرهم بالله تعالى، وليس مقاطعتهم ووصفهم بالإجرام وارتكاب الحرام.
ومن جهة أخرى فإن هناك ملحوظة مهمة وهي: الانتباه إلى أن الإنكار ينصب على المحرمات التي لا خلاف عليها، وأما المختلف في حكمه اختلافاً شرعياً معتبراً فلا ينبغي اعتبار فاعله مخطئا أو مجرما، فبعض صور المعاملات المالية أجازها بعض الفقهاء، والآخذون بها يرونها جائزة وهي عندهم حلال مشروع.
أخي الكريم أوصيك بما يلي:
1- اجعل لك صلة ببعض أهل العلم الشرعي من القريبين منك لتستفيد من علمهم وتسترشد بخبرتهم.
2- جالس العلماء واحضر المحاضرات، واستمع إلى الأشرطة الدينية التي تعنى بتزكية النفس.
3- التجئ إلى الله تعالى واطرح بين يديه، واسأله العافية والثبات على الخير.
4- تذكر دائماً أن الإسلام دين الوسطية، وأن الأمة المحمدية أمة وسطية، واحرص على التوسط والاعتدال فكراً وقولاً وعملا.
5- صاحب الأخيار وألزم مجالسهم، فهم يعينونك على الخير بإذن الله، ويكونون بديلاً لك عن المجالس التي ذكرت أن فيها الغيبة النميمة وغير ذلك.
6- خالط الناس واصبر على أذاهم وانصحهم، وإذا رأيت منهم منكراً متحققاً فانصح لهم بالرفق واللين والحكمة والموعظة الحسنة.

7- أكثر من قراءة القرآن وذكر الله تعالى والاستغفار.
8- الزم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء، فهو الإمام وهو الذي أمرنا الله سبحانه بالتأسي به في كل شيء.
9- استعن ببعض أهل الخير لإعانتك مادياً لتتجاوز محنتك الحالية، واجتهد في الحصول على عمل ومصدر رزق يعينك على أمور الحياة.
10- اعرض نفسك على طبيب نفسي مسلم مع استشارة عالم شرعي لتجمع بين العلاج المادي والمعنوي.
أسأل الله تعالى أن يمن عليك بالعافية، ويسدد دَيْنك، ويهدينا وإياك لما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين. وتقبلوا خالص تحياتي.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.