الفهرس خزانة الاستشارات استشارات اجتماعية العلاقات الأسرية معاملة الوالدين

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

خطيئتي.. عقوق أبي!

المجيب
مستشار أسري
التاريخ الثلاثاء 26 محرم 1431 الموافق 12 يناير 2010
السؤال

كنت أعيش في بلاد الغرب، ولكن تركت العيش هناك، من أجل أبي لكي أرجع إلى بلدي الأصل، وبعد أكثر من سنة تزوجت برجل طيب جدا. وقد قررنا أن نعيش في بلاد الغرب، فغضب أبي لذلك، واتهم زوجي أنه تزوجني من أجل الأوراق، ومنذ ذلك الوقت لا يكلمني أبي، وبعد مدة من الخلاف معه توفي قبل أن أستطيع أن أتكلم معه؛ وأظن أنني فعلت الصواب عندما سمعت كلام زوجي، ولكن هناك شيئاً يزعجني في قلبي أكثر فأكثر، حتى أصبحت أجد في نفسي شيئا على زوجي وألومه. فأريد أن تدلوني على أفضل طريقة لكي يتوب الله علي، ويسامحني أبي و زوجي.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أختي الفاضلة، حياك الله، ونشكر لك ثقتك في موقع الإسلام اليوم، ونسأل الله لنا ولك التوفيق..

جوابا على سؤالك أقول وبالله التوفيق:

أسال الله بمنه وكرمه أن يغفر لوالدك، وأن يتغمده برحمته وجميع موتى المسلمين.

سؤالك يا عزيزتي يتضمن أمورا انتهت، وعفا عليها الدهر، ولكنها ما تزال تلقي بظلالها عليك وعلى حياتك مع زوجك الذي أراك تعيشين معه في وئام وحبور، وهذا واضح من وصفك له بأنه رجل طيب كما تذكرين.

الموضوع الآن انتهى، ووالدك توفي نسأل الله له المغفرة، ولم يعد بوسعك شيء سوى لحظتك الحاضرة التي تعيشينها الآن، فلا الماضي تملكين إرجاعه، ولا المستقبل تعلمين ما يكون فيه، وبناء على كل هذه الحقائق إليك عددا من الوصايا التي ستعينك بإذن الله على الخروج مما تفكرين فيه:

1. إن الشعور بالذنب –أي ذنب كان– والندم عليه والعزم على عدم العودة إليه كفيل أن يمسح هذا الذنب وكأنه لم يكن، بل إن الله يبدل سيئات هذا الذنب حسنات، وهذا هو مفهوم التوبة، فلو افترضنا أنك عققت والدك أثناء حياته، وتبين لك الأمر الآن، فندمت واستغفرت عن هذا الذنب، فالله عز وجل كريم، ولن يخيب عبدا دعاه وأناب إليه واستغفره، إذا أيقنت معي بهذه الحقيقة فما هو سر القلق إذا؟ حيث بذلت ما بوسعك ولن يطلب منك أكثر مما تملكين فعله! يقول الله عز وجل "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها".

2. لعل في استجابتك لطلب والدك بالعودة عندما طلب ذلك، سابقة جيدة في برك بوالدك، ولكن هذا البر شابه بعض الخلافات مع والدك بعد زواجك، هذه الخلافات إنما نتجت عن سفرك مع زوجك مرة أخرى إلى بلاد الغرب، ولكني أجد في سفرك هذا – بمشيئة الله – مخرجًا لك أنه يدخل تحت طاعة الزوج، لأن طاعة الزوج مقدمة على طاعة الوالد ما لم يكن فيها معصية لله ورسوله. (ولعلك ترجعين إلى تفصيل ذلك في الاستشارة رقم 27177 هنا في موقع الإسلام اليوم على الرابط التالي:

http://islamtoday.net/questions/show_question_content.cfm?id= 27177

فقد بسط الشيخ حفظه الله الكلام في هذا الموضوع بالتحديد).

3. إن مما يميز شريعتنا الإسلامية السمحاء هو عنايتها بالأسرة عموما وبالوالدين خصوصا، وقد ورد الحرص الشديد على برهما والإحسان إليهما حتى وإن كانا على الشرك، "وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" [لقمان:15].

ولكن هل ينتهي بر الوالدين بوفاتهما أو أحدهما؟

بالطبع لا، فقد ورد الحث على بر الوالدين حتى بعد مماتهما، وهذه فرصة عظيمة لمن فرط في بر والديه حال حياتهما أن يتدارك ذلك بعد وفاتهما، فقد ورد في الحديث الشريف أن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: أحدها: ولد صالح يدعو له..

وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله عنه قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: "نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما" رواه أبو داود.

فتأملي –يا رعاك الله– هذه الأبواب الكثيرة من بر الوالدين بعد مماتهما ومنها:

• الدعاء لهما! فهل تدعين لوالدك باستمرار أن يعفو الله عنه، وأن يدخله الجنة وأن يجمعك به في الفردوس الأعلى من الجنة؟

• وإنفاذ عهدهما: فهل تعلمين وصية أوصى بها والدك فعملت على إنفاذها؟

• وصلة الرحم! فهل عملت على صلة الرحم التي تربط والدك بأحد أقاربك؟ أيا كانت هذه الصلة، وقد تحصل الصلة أحيانا بالمكالمة الهاتفية!!

• وإكرام صديقهما! هل تعلمين أناسا كان والدك تربطه بهم صداقة وثيقة، فتكرمين هؤلاء الناس أو القريبين منهم لوالدك بهدية ونحو ذلك، وتخبرينهم أن هذا من باب إكرام والدك بعد مماته؟

• هل تصدقت عن والدك بأي صدقة كانت كثيرة أو قليلة؟ وإن تك شق تمرة فإنها عند الله كبيرة ولوالدك في قبره عظيمة.

والآن هل استشعرت –أختي الفاضلة– كم أمامك من الأبواب المفتوحة لبر والدك بعد مماته؟

هل استشعرت كم هو عظيم هذا الدين الذي يكرم الوالدين حتى وهما في قبرهما؟

4. أنت الآن تعيشين مع زوجك، وهو الذي بقي لك في هذه الدنيا، فكوني له أرضا يكن لك سماءً، وكوني له أَمَة يكن لك عبدا –وصية المرأة المشهورة لابنتها ليلة زفافها-، لا تلتفتي للماضي أيا كان، بل اعملي على توثيق أواصر المحبة والسعادة بينك وبين زوجك، عوضي معه أيامك التي مضت وأنت تتحسرين على وهم عقوقك لوالدك، وابدئي صفحة جديدة، وإياك أن تعاتبيه على أمر لم يكن قد تفرد فيه بالقرار وحده، بل كنت شريكته في كل كبيرة وصغيرة، واعلمي -رعاك الله- أن إبليس أعاذك الله منه ومن مكره، ما فرح بشيء فرحه بالتفريق بين المرأة وزوجها، وإن لم يفلح في ذلك فلن يترك التحريش بينكما.

أسأل الله أن يوفقك لبر والدك بعد مماته، وأن يتجاوز عنا وعنك وعن جميع المسلمين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.