الفهرس خزانة الاستشارات استشارات تربوية وتعليمية قضايا الشباب المعاصر ة

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

ما نصيحتكم إلى هؤلاء؟

المجيب
التاريخ الاثنين 17 محرم 1425 الموافق 08 مارس 2004
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
الرجاء منكم إعطاء الحل لهذه المشكلة التي تواجهنا مع الشباب الذين يظهر عليهم الصلاح والاستقامة - هيئةً -والله المستعان- بكل صراحة نحن تعبنا معهم أتيناهم عن طريق الرقائق وعن طريق النصح، ولكن لديهم بعض المخالفات الشرعية - والله المستعان - أكثر من الشباب العادي، فما العمل معهم؟ بحكم الخبرة في مجال الدعوة، فنسأل الله لكم ولنا التوفيق لخدمة دينه.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، والصلاة والسلام على الهادي البشير، والسراج المنير، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،
إلى الأخ السائل : - سلمه الله تعالى- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لقد قرأت رسالتك المفعمة بالأسى والحزن الممتزج بالشفقة على أولئك الشباب الذي وصفتهم بكونهم يظهر عليهم علامات الاستقامة هيئةً، أي ظاهراً، وعندهم بعض المخالفات الشرعية، بكل صراحة شعرت بما شعرت به أنت، ولكن مَن مِنَّا ليس عنده أخطاء، فكلنا ذو خطأ، وكلنا ذاك الرجل:
من ذا الذي ما ساء قط **** ومن له الحسنى فقط
لكن لا بد من الدعوة إلى الحق والتواصي بالخير، والصبر على ذلك قال تعالى: "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" [العصر:1-3]، فلا تيأس من دعوتهم بالطرق التي ذكرت، فهذا طريق الأنبياء والرسل، ولعلك تطالع السيرة العطرة ستجد مدى الجهد الدعوي المتواصل من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على مدار 23 سنة في دعوة الناس إلى الخير، حتى في آخر أنفاسه يدعو إلى الله بأبي هو وأمي – صلى الله عليه وسلم-، ولعلك تقرأ قوله –تعالى- عن سيدنا نوح – صلى الله عليه وسلم- وهو يصف حاله مع قومه في الدعوة إلى الله: "قال ربي إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فرارا وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في أذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً ثم إني دعوتهم جهاراً ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً" [نوح: 5-9].
هل تأملت – يا رعاك الله- هذا الجهد المتواصل في الدعوة إلى الله؟ الليل والنهار، السر والإعلان، التكتم والإجهار، الله أكبر ماذا بقي من عمر نبي الله نوح – عليه السلام- لم يبذله في الدعوة إلى الله، إنه العمل الدائم الذي لا يعرف الملل، والجهد المستمر، الذي لا يعرف التوقف، والعطاء الذي لا يعرف المنع، والبذل الذي لا يعرف البخل، فالحياة كلها موقوفة لله "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" [الأنعام:162].
أخي الكريم: سرِّح طرفك قليلاً لتجد نبي الله يوسف – عليه السلام – في غياهب السجن وألم الفراق، ومرارة البعد عن الأهل والأحباب، وقسوة ظلم الطغاة، لم يمنعه هذا كله من الدعوة إلى الله، وتصحيح المفاهيم المغلوطة والصدع بالحق، والدعوة إليه، استمع إليه حين جاءه من يسأله عن رؤيا رآها "يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" [يوسف: 39-40].
أخي الحبيب: إن هؤلاء الشباب الذين أنكرت عليهم ما هم عليه من المعاصي ربما أن فيهم الخير الكثير، لكن لا بد من استنفاره وتوجيهه التوجيه الأمثل، لا بد من شغله بالأمور النافعة المثمرة والتي تعود على الجميع بالخير.
أخي! هل استشعرت نعمة الله عليك بالهداية عندما رأيت بعض إخوانك قد تدنس برجس المعصية؟ وهل حملك هذا الشعور على إنقاذه والشفقة عليه؟ وما هي حالك عندما تقدم لأمثال هؤلاء النصيحة؟ هل تقدمها من منطلق العلو والترفع عليهم والتأفف منهم؟ أم تقدمها كطبيب مشفق على مريضه يعطيه الدواء، وكله أمل في أن يقبل المريض الدواء حتى يتعافى؟ هل كان همك أثناء دعوتهم أن تأخذ بأيديهم من هذه الهلكة أم ماذا؟ هل استحضرت قول النبي – صلى الله عليه وسلم- لعلي – رضي الله عنه- وهو يدفع له الراية يوم خيبر "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" رواه البخاري (2942)، ومسلم (2406).
أخي: هل كنت مخلصاً في دعوتك لهم حريصاً على هدايتهم؟ هل راعيت آداب النصيحة معهم؟ هل شعروا منك بالحب لهم والشفقة عليهم، والحرص على هدايتهم وأنت في هذا كله لا تريد منهم جزاءً ولا شكوراً، ولكن الذي دفعك قوله –تعالى-: "وتعاونوا على البر والتقوى" [المائدة:2]، وقوله – صلى الله عليه وسلم-: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" رواه البخاري (1
13) ومسلم (45) من حديث أنس – رضي الله عنه - .
تساؤلات كثيرة جداً أود أن تجلس مع نفسك، وتسألها إياها، وتجيب بنفسك على نفسك وبكل صراحة وتجرد، وستجد أن هناك خللاً ما لا بد من إصلاحه حتى تأتي الدعوة بثمارها اليانعة.
أخي: هل سمعت عن ذلك الصحابي الجليل – رضي الله عنه - الذي كان كثيراً ما يشرب الخمر فيؤتى به فيجلد بين يدي رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ثم يعود، وهكذا، وفي مرة من المرات لعنه أحد الصحابة – رضي الله عنهم- وقال: ما أكثر ما يؤتى بك ثم تعود، فقال: رسول الله –صلى الله عليه وسلم- "لا تلعنوه فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله" رواه البخاري (6780) من حديث عمر – رضي الله عنه - فلعل هؤلاء الشباب عندهم من حب الله ورسوله الشيء الكثير، والذي يفقده كثيراً من الناس، وإن تعجب من هذا الرجل فليشتد عجبك من ذلكم الصحابي الآخر – رضي الله عنه- الذي كثيراً ما يشرب الخمر أيضاً، ولكن يحمل بين جوانحه نفساً تواقة للجهاد في سبيل الله، وقد ذهب مع تلك الثلة المباركة من صحابة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بقيادة البطل الهمَّام والأسد الجسور سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه- ذهبوا إلى القادسية لفتحها، وكان هذا الرجل شارباً للخمر في ذلك الأثناء، فأصدرت الأوامر من سعد – رضي الله عنه- بأن يحرم هذا الرجل من الجهاد، ويوضع في القيد، ودارت المعركة، وتقابل الفريقان، وتنازل الشجعان، وتصارع الأبطال واشتد الوطيس، فهاجت نفس الرجل، واشتاقت للجهاد، ومنازلة الأبطال، فلم يملك نفسه إلا أن قال:
كفى حزناً أن تطرد الخيل بالقنا *** وأُترك مشدوداً على وثاقيا.
ثم نظر الرجل إلى زوجة سعد – رضي الله عنهما- وقال لها: أطلقيني ولك عهد الله وميثاقه، لئن لم أقتل لأرجعن إليك حتى تجعلي الحديد في رجلي، فأطلقته، وحملته على فرس لسعد – رضي الله عنه - بلْقَاء، وخلَّت سبيله، فجعل الرجل يشد على العدو ويكر عليهم، وسعد – رضي الله عنه- ينظر من فوق الحصن وهو في ذهول ودهشة، الفرس فرسه، والكر والفر من صنيع هذا الرجل، لكنه في القيد، والفرس في رباطها، وأخذ الرجل يفعل بالفرس الأفاعيل، وسعد – رضي الله عنه- ينظر وهو لا يكاد يصدق ما يرى، لكنها الحقيقة، وانتهت المعركة بنصر المسلمين، ورجع الرجل إلى امرأة سعد – رضي الله عنه- وفاءً بما أخذ على نفسه، ووضع القيد في رجله، ونزل سعد – رضي الله عنه- من أعلى الحصن، وذهب إلى فرسه حيث تركها، فوجدها كما كانت، لكن وجد عليها العرق، فعرف أنها رُكبت، فسأل عن الخبر، فأخبرته زوجته بقصة هذا الرجل المقيد في الأغلال، وأنه كان من أمره ما كان، أتدري- يا رعاك الله – ما اسم هذا الرجل إنه أبو محجن الثقفي –رضي الله عنه وأرضاه-.
أرأيت أخي الحبيب أن من العصاة من يحملون بين جوانحهم نفساً تواقة للعمل لهذا الدين والبذل، والعطاء بكل ما تجود به النفس، وأن منهم من يضحي بكل غالٍ ورخيص لهذا الدين الذي ينتسبون إليه.
فيا رعاك الله لا تيأس من النصح لهم، وتذكيرهم، ولكن عليك مراعاة أمور لا بد منها حال دعوتك لهم وعليك بالدعاء لهم بأن يفتح الله على قلوبهم، ويهديهم سواء السبيل فهو – سبحانه- ولي ذلك والقادر عليه ومولاه، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.