الفهرس خزانة الاستشارات استشارات تربوية وتعليمية العلاقات العاطفية الحب

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

مسألة التبديع

المجيب
المشرف العام
التاريخ الجمعة 12 ربيع الأول 1423 الموافق 24 مايو 2002
السؤال

كان بشر المريسي من كبار فقهاء أهل الرأي، وكان غيره كابن الثلجي أيضاً من فقهائهم، فلم يمنع هذا السلف من تضليلهم وتكفير بعضهم، وكذلك الكرابيسي كان من أوعية العلم، ومع ذلك بدّعه الإمام أحمد عندما قال ما قال، والأمثلة كثيرة، الذهبي في (ميزان الاعتدال) حطّ على ابن كرّام بشدة، وجاء ابن حجر بعده لينقل عن أحدهم تكفير الكرّامية، مع أنّهم أهدى سبيلاً في الأسماء والصفات من الأشاعرة، ولا يقل تعفيس الأشاعرة في الإيمان عن تخبيط الكرامية، فهل الكرامية كلأ مباح والأشاعرة من محميات السلاطين ؟ الذهبي أثنى على الملك محمود الغزنوي، وقال عنه: ولكنه على مذهب ابن كرام المبتدع، ولم يقل عن صلاح الدين: ولكنه على منهج متأخري الأشاعرة المبتدعة .الذهبي رمى ابن عقيل بالابتداع، وحطّ بشدة على أستاذه المعتزلي ابن الوليد، ولكنه لم يضلّل ابن حزم مع أنّه يثبت الأسماء وينفي الصفات كلها، ولكنّه بعد سرده لعقيدة الغزالي (الجهمية القحّة)، قال:" هذا المعتقد أغلبه صحيح "، مع أن الذهبي أعلم مني بمدى البلاوي التي اشتملها اعتقاد حجة الأشاعرة والصوفية هذا، ومن ثم قال عن الغزالي: وأين مثله؟ نعم، أين مثله في البعد عن الإسلام ؟كتب الجرح والتعديل عند السلف مليئة بالحطّ على أبي حنيفة، بل والتحذير ممن يتقلّد مذهبه، بينما تُعدم هذه الأمور في الكتب الخلفية، مع أن المذهب الحنفي والأحناف لم يزيدوا إلا بعداً عن السنة حتى وصلوا الآن إلى حالة الكوثري والتهانوي .سؤالي الآن: لماذا لم يعامل أحد من السلف - فيما أعلم - المبتدعة - على أنّهم مجتهدين مخطئين، بينما نجد معاملة عامة أهل السنة للمبتدعة ليست هذه المعاملة، بل يذكر شيخ الإسلام أبو حنيفة من ضمن من يمكن الشهادة له بالجنة في أحد المذهبين! السلف يقولون عنه: ما ولد على الإسلام أشأم منه، ونحن نشهد له بالجنة!هل يجب علي ألا أثق بكتب الجرح والتعديل المتأخرة، وأن أتّبع قواعد السلف في الجرح والتعديل ؟وأنا أعلم - كما أظنك تعلم - أن الديّن لا يحرَّف بأمثال الرازي والآمدي ونحوه من المتكلمين، وإنما يحرّفه أمثال النووي وابن حجر الذين يتعاملان مع القواعد التي يضعها المتكلمون على أنّها مسلّمات، وبالتالي يتم التلبيس على المسلمين وتُطمس آثار السنة.وعندي سؤال آخر: ما حكم من يجيز الاستغاثة بغير الله من العلماء كالكوثري مثلاً هل نكفّره، أم نضلله فحسب ؟وأنا لا أكفِّر أحداً من العلماء وليس عندي شهية لتكفير المخالف، بل من الوجهة النظرية الدعوة أسهل مع عدم تضليل مثل هؤلاء، ولكني أريد أن أفهم حتى لا أقبل شيئاً إلا بعد اطمئنان قلبي له، وأحبّ الحق ولو كان مُرّاً ، وأنا من محبي شيخ الإسلام، والذهبي، وابن القيّم، وابن كثير، وسائر أئمة التجديد الأثري، ولكني أريد الفرق بين أصول التضليل والتبديع عند السلف، وأصوله عند السلفية، ولماذا هذا التفريق ؟

الجواب

قرأت إفاضتكم حول مسألة التبديع ، وتلميحكم إلى الانتقائية في منهج الذهبي، والتفاوت بين منهج السلف ، ومنهج ابن تيمية الذي وسمته بمنهج السلفية ،وسؤالكم حول الكوثري، وقد طاب لي ما ذكرتموه في ذيول سؤالكم من أنك لا تكفِّر أحداً من العلماء ، وليست لديك شهية التكفير للمخالف ، وأنك ترى الاشتغال بالدعوة بدلاً من الحكم على الآخرين . وأنك من محبي أئمة التجديد الأثري كابن تيمية، وابن القيم، والذهبي ...فالحمد لله، فتكون المسألة مجرد عارض علمي يحتاج إلى دفع وتمحيص، ولدي بعض التعليقات العمومية التي ربما لا تشفي طالب علم مثلك ، وإنما كتبتها من باب المدارسة ، وآمل أن توافيني بردك .أولاً : لا بد من تحديد : متى يطلق على الأمر أنه من منهج السلف ؟ هل وجود حالة واحدة ، أو حالات يعني أن هذا هو منهج السلف ؟ أم لا بد من ظهور الأمر واشتهاره واستفاضته بينهم وإطباقهم عليه ؟وهل إذا نُقِل عن واحد من السلف قولٌ، أو فعل، أو موقف، أو اجتهاد يحسن أن يُنسب إلى السلف جميعاً ، ويحسب عليهم ؟ أم تكتفي به مع عدم وجود المعارض ؟ أم نحتاج إلى استقراء يدل على أن هذا دأبهم ودينهم وهجّيراهم ؟الذي يظهر لي أن العبرة بإجماع السلف ، وعليه ، فمن الخطأ مثلاً أن تقول كما في رسالتك : السلف يقولون : ما ولد في الإسلام مولود أشأم من أبي حنيفة ..هل أفراد السلف معصومون من الهوى الظاهر أو الخفي ؟هم ولا شك من القرون المشهود لها بالخيرية , لكن الأصوليين مختلفون في قول الصحابي إذا لم يوجد ما يعارضه ، هل يكون حجة أم لا ؟ والأقرب أنه ليس بحجة بذاته ، فكيف بمن بعدهم ؟ وهذه الكلمة منسوبة للأوزاعي وسفيان، ورويت عن مالك ولا تصح عنه كما في (السنة) لعبد الله بن أحمد .وهي من الباطل بكل حال ، فإنه لا شؤم في الإسلام ، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التطير، انظر ما رواه البخاري (5755)، ومسلم (2223) وغايته لو صح أن يكون من كلام الأقران الذي يطوى ولا يروى ، ولا يصح عن أبي حنيفة بدعة تخرجه عن السنة ،وقد ثبت عنه إنكار القول بخلق القرآن، ورأيه في مسألة الإيمان لا يوافق قول المرجئة، ولهذا سماهم بعض الأئمة بمرجئه الفقهاء، وقد تلقت الأمة علمه بالقبول ، وصار جمهور عريض من المسلمين يقلدون مذهب أبي حنيفة، ويعتقدون إمامته، ويقدمونه على غيره من الأئمة ، وهذا من الثناء الحسن والشهادة الطيبة له ولإخوانه من بقية الأربعة وغيرهم .ثانياً : وما كان عليه السلف تبعاً لما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه – رضي الله عنهم - فهو ينقسم قسمين :أحدهما : ما هو شريعة محكمة قائمة في سائر الظروف والأحوال ، لا تتغير ولا تتبدل ، كأركان الإيمان والإسلام، وهذا مطلوب من كل من يجب عليه بغض النظر عن تغير الأحوال .والثــاني : ما هو مرتبط بحال دون حال ، فيكون له في كل حال حكم ،ومن أظهر أمثلة هذا باب المجاهدة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يتفرع عنها ، فهذا يختلف حكمه في حال الكثرة والقوة والظهور عنه في حال القلة والضعف والخفاء .والموقف من أهل البدعة هو من هذا الباب ، فحين كانت البدع في أول ظهورها ولم يكن لها رواج وانتشار رأى الأئمة في الشدة على أهلها نوعاً من الهجر الذي يمنع الأخذ عنهم فأغلظوا عليهم ، ومنعوا من مناظرتهم ومجادلتهم، خصوصاً في مواطن انتشار السنة كالحجاز وبعض الأمصار المشرقية، وكانوا في بعض بلاد ما وراء النهر أخف عليهم بسبب ظهور بعض البدع وغلبة أهلها كثرة ورياسة .وهكذا لما تفشت هذه المقالات بين المسلمين ، عامتهم وخاصتهم ، علمائهم وأمرائهم وجد العلماء الأثريون أنفسهم محتاجين لتحقيق المصلحة الشرعية إلى مناظرة أهل المقالات ومحاجتهم ، وإلى استعمال لهجة أخرى معهم تناسب المقام ، وهذا ما صنعه شيخ الإسلام، ولقي في سبيله عنتاً .ثالــثاً : وهكذا الشأن في التعامل مع الطوائف والفرق، يراعى فيه الفرق بين الطوائف الكبيرة الشهيرة الكثيرة الأتباع، ذات التقعيد والتأصيل ، وبين الطوائف الضعيفة المحدودة، كما يراعى الفرق بين الأئمة العظام ذوي الفضل والنبل في الإسلام كالحافظ ابن حجر، والإمام النووي -عليهما رحمة الله ورضوانه- ، وما لهم من قدم الصدق في نشر السنة والعلم والخير ، وبين من ليس كذلك .وقد يفسر بهذا جراءة البعض على الكرّامية بما لا يجرؤون به على الأشاعرة؛ لخمول الأولين وقلتهم، وضآلة شأنهم ،وأنه يندر من المشاهير الكبار من ينتسب إليهم .وهذا داخل أيضاً في باب المصالح والمفاسد الشرعية .رابعــاً : العالم الواحد يتكلم في أحوال شتى ، تعرض له وتشغله ، فقد تعتريه الأمراض البدنية المؤثرة، والحالات المعنوية من الهم والغم والحزن والغضب وغيرها .وقد " نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقضي القاضي وهو غضبان " كما في حديث أبي بكرة – رضي الله عنه - الذي أخرجه أبو داود (3589)، والترمذي (1334)، والنسائي (5421)، وابن ماجة (2316)، كما نهى عن صلاة المرء وهو يدافع الضرورة، انظر ما رواه مسلم (560) من حديث عائشة – رضي الله عنها - لما في هذا وذاك من الشغل الملهي عن الاستحضار والخشوع .وكتاب كالسير، أو تاريخ الإسلام ، أو غيرها من المصنفات الجليلة الضخمة يستنفذ من مؤلفه أزمنة طويلة ،لا يكون في جميعها على حال واحد ، ومن مبالغات الشعراء قول المتنبي لسيف الدولة : وحالات الزمان عليك شتى وحالك واحد في كل حال وهذا يدرك حقيقته وتأثيره كل من جرّب وعانى شيئاً من الكتابة، أو التصنيف، أو البحث، فكيف بالمطولات ؟ولهذا لا يحسن حصار الشيخ بالمتقابلات التي يفترض القارئ أو الناقد أن تجري كلها على سنن الوفاق والانسجام.هذه خطرات ونظرات تخطئ وتصيب ، فانظر فيها ولا تشغل نفسك كثيراً بهذا، فلعل لديك من هموم العلم والعمل ما هو أجدر وأجدى .

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.