آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

استقلال كوسوفا.. وسباق صربيا المحموم لإلغائه!

الاربعاء 21 ذو القعدة 1429 الموافق 19 نوفمبر 2008
استقلال كوسوفا.. وسباق صربيا المحموم لإلغائه!
 


تدرك صربيا كما يدرك الجميع، أن استقلال كوسوفا أصبح حقيقةً واقعةً لا يمكن التراجع عنها، فلم يُسَجَّلْ في التاريخ الحديث، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، إلغاءُ استقلال دولةٍ بعد إعلانه، كما تُدْرِكُ صربيا وغيرها، أنّ عودة كوسوفا إلى ما كانت عليه قبل إعلان الاستقلال في 17 فبراير 2008 بات مستحيلًا، فلا الوضع الدولي يسمح، ولا الألبانُ سيقبلون بذلك، بعد أن حقَّقُوا حُلُمًا سكن في أعماق الأجيال المتعاقبة في كوسوفا، حتى قبل أنْ ينزح الصرب إلى منطقة البلقان في القرن التاسع الميلادي، أي منذ الاحتلال الروماني فالبيزنطي للمنطقة.


وبالتالي فإن الصرب -ومن خلال اللجوء لمحكمة العدل الدولية، وطلب رأيها حول موافقة استقلال كوسوفا للقانون الدولي- يريدون أن يلعبوا ورقتَهُم الأخيرة، ليس بهدف إلغاء استقلال كوسوفا، إذ إنه أَمْرٌ لا تَقْدِرُ عليه المحكمة، فقراراتها غير ملزمة، ولكن للحصول على موقف دولي يمكن أنْ يُعِيدَ عقارب الساعة إلى الوراء، ويتمثّل في عودة المفاوضات بين صربيا وبريشتينا، وُصُولًا إلى ما يطمح إليه الصرب، كقوميين متطرفين، يرفضون فكرة التعايش مع الإثنيات الأخرى؛ حيث يضعون هذه الإثنيات بين خيارين:


- إما الرضوخ للحكم الصربي كمواطنين من الدرجات الدنيا.


- أو التقسيم.


 وليس هناك خيار ثالث يُقَدِّمُه الصرب، سواءٌ في كوسوفا، أو البوسنة، أو كرواتيا، أو الجبل الأسود.


ومع أن صربيا عوَّلَتْ كثيرًا على لجوئها للأمم المتحدة، في وقف المزيد من الاعتراف الدولي باستقلال كوسوفا، إلا أنّ اعتراف كُلٍّ من مقدونيا والجبل الأسود، ومن ثَمَّ الإمارات العربية المتحدة باستقلال كوسوفا، بعد يومٍ واحِدٍ من جِلْسَةِ الجمعية العامة للأمم المتحدة، مَثَّلَ ضربةً مُوجِعَةً لصربيا، ودعمًا معنويًّا لاستقلال كوسوفا.


وبذلك ارتفع عدد الدول التي اعترفت باستقلال كوسوفا إلى 51 دولة.


 


نوايا صربية


 


وقد كشف الرئيس الصربي بوريس طاديتش، عن الأهداف الصربية من وراء إعادة تحريكِ مِلَفِّ تقسيم كوسوفا في زيارته الأخيرة لألمانيا، تحت لافتةِ: "لا يمكن إعطاءُ طَرَفٍ كلَّ ما يريد، وحرمانُ الطَّرَفِ الآخر من كل شيء"! وردَّت عليه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في حينه بِرَفْضِ ذلك، قائلةً : "لا أؤمن البَتَّةَ بفكرة تقسيم كوسوفا".


بدورها أكدت الولايات المتحدة الأمريكية أنّ استقلال كوسوفا لا رَجْعَةَ عنه، وأنّ دعوة التقسيم التي أطلقها طاديتش لا تستند لأي أسس واقعية. كما أكّد وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس خلال الزيارة القصيرة التي قام بها إلى بريشتينا، قبل يوم واحد من تصويت الأمم المتحدة على طلب صربيا بعرض استقلال كوسوفا على المحكمة، أن "الولايات المتحدة ستظل رغم كل الظروف إلى جانب استقلال وسيادة كوسوفا".


وذكرت إذاعة بريشتينا أنّ زيارة روبرت جيتس " ليستْ لدعم استقلال كوسوفا، والتأكيد على ثبات الموقف الأمريكي فحسب ، وإنما رسالة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بأنّ مستقبل كوسوفا لا يمكن أنْ يَتَغَيَّرَ، وأنَّ " كوسوفا المستقلة حقيقةٌ واقِعَةٌ وللأبد" حسب تعبيرها .


أَمَّا فيما يتعلق بموقف بريشتينا، فقد أوضح رئيس وزراء كوسوفا هاشم تاتشي أنّ "مستقبل كوسوفا قد تم حَسْمُهُ بإعلان الاستقلال، ولنْ يتم أبدا العودة لمحادثات حول مصيره"، مُعْرِبًا عن أمله في أن يكون قرار المحكمة الدولية لصالح تثبيت استقلال كوسوفا، وفتح المجال لصربيا للاعتراف به.


 كما أعلن رئيس كوسوفا فاطمير سيديو أنّ بريشتينا لديها من الوثائق التاريخية ما يُقْنِعُ المحكمة الدولية بأن الاستقلال كان شَرْعِيًّا، بينما حذّر رئيس برلمان كوسوفا يعقوب تاتشي من أنّ أي محاولة لتغيير الوضع الحالي ستُؤَدِّي إلى مشكلات جديدة في البلقان، مشيرًا إلى أنّ البلقان وأوروبا مهتمانِ بخلق مشكلة إعادة ترسيم الحدود الإقليمية.


 


كوسوفا والقوقاز


 


ومع أن البعض حاول الرَّبْطَ بين استقلال كوسوفا، وما جرى مُؤَخَّرًا في إقليميْ "أبخازيا" و"أوسيتيا الجنوبية" الْمُنْشَقَّيْنِ عن جورجيا، إلا أنّ رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانوال باروزا، والكثير من السياسيين والمحللين استبعدوا ذلك؛ حيث أكد باروزا أنّ كوسوفا ليست سببًا في أزمة القوقاز، مُشَدِّدًا على أن الاتحاد الأوروبي أكّد في وقت مبكر" أنّ استقلال كوسوفا، لا يمكن أن يكون مُبَرِّرًا لانفصال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا، ولا يمكن مقارنة وضع كوسوفا بالمقاطعتين الجورجيتين".


واعتبر باروزا أنّ "هناك فرقًا كبيرًا، فقد تم الاعتراف باستقلال كوسوفا من قِبَل عشرات الدول في مقدمتها 22 دولة في الاتحاد الأوروبي، وعشرات الدول من خارج الاتحاد، وهناك فَرْقٌ آخر، وهو أن حلف شمال الأطلسي تَوَجَّه إلى كوسوفا لوقف التطهير العرقي، بينما روسيا دخلت أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية لممارسة التطهير العرقي" .


 


آمال في الاعتراف


 


أدى اعترافُ كُلٍّ من الجبل الأسود ومقدونيا والإمارات العربية المتحدة باستقلال كوسوفا إلى تنامي الآمال في المزيد من الاعتراف الدولي، ولاسيما من قِبَل الدول الإسلامية؛ حيث أعرب رئيس وزراء كوسوفا هاشم تاتشي عن اعتقاده بأن الدول الإسلامية ستعترف قريبًا باستقلال كوسوفا.


 وأوضح أنّ "بعض الدول الإسلامية تعترف حاليًا باستقلال كوسوفا، وبعض الدول في طريقها للاعتراف بالاستقلال، وهناك دول لم تعترف بَعْدُ باستقلال كوسوفا، ولكن تعترف بجواز سفر دولتنا المستقلة"، ووصف تاتشي موقفَ بلجراد الرافض لاستقلال كوسوفا، والساعي لإلغائه، بأنه "صراع مع القدر الغَلَّاب"!


وكانت 50 دولة منها الولايات المتحدة ومعظم الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، قد اعترفت باستقلال كوسوفا، لكن غالبية الدول الإسلامية مترددةٌ في الاعتراف بالجمهورية التي تضم مليوني نسمةٍ، يدين أكثر من 95 في المائة منهم بالإسلام. وأرجع البعض عَدَمَ اعتراف الدول الإسلامية باستقلال كوسوفا، بأنه تأكيدٌ على أنّ الإسلام لا يُمَثِّلُ أولوية في سياستها الخارجية، وحتى لا يُقَالَ إنّ دوافع دينيةً وراء قراراتها.


وبشكل عام، فإنّ قرار المحكمة الدولية المرتقب، سيُعَزِّز استقلال كوسوفا، في حال إجازته، لكنه لن يُؤَثِّرَ عليه إذا ما قررت المحكمة اعتبارَه مخالفًا للقانون الدولي، وقد أكّد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، أنّ عودة كوسوفا إلى وَضْعِ ما قبل 17 فبراير الماضي" أمرٌ غير قابل للتنفيذ، وغيرُ ممكن، وغيرُ عملي".


كما شدد الرئيس الفنلندي الأسبق، والمبعوث الدولي السابق إلى كوسوفا، والحائز على جائزة نوبل للسلام لعام 2008 م مارتي هتساري أنه "لا يُوجَدُ حَلٌّ آخر لكوسوفا غير الاستقلال"، مُعْتَبِرًا أنه "على صربيا وقفُ مساعيها لوقف استقلال كوسوفا إذا كانت ترغب في عضوية الاتحاد الأوروبي".


وتابَعَ مُضِيفًا: "لا يمكن لصربيا وَضْعُ أصبعها في عين الاتحاد الأوروبي، إذا كانت تريد الاندماج " كما أنه "ليس من المهم أن لا تعترف البارجواي باستقلال كوسوفا، ولكنْ من المهم أن 65 في المائة من العالم الغني يعترف باستقلال كوسوفا اليوم " .


تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف