آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

ترجمة معاني القرآن الكريم في البوسنة

السبت 24 ذو القعدة 1429 الموافق 22 نوفمبر 2008
ترجمة معاني القرآن الكريم في البوسنة
 

اعتنى المسلمون في البوسنة بالقرآن الكريم دراسة وحِفْظًا وتفسيرًا ، في المساجد والمعاهد والكليات، وعبر البحوث والإنجازات العلمية، لكنّ حركة ترجمة معانيه لم تَبْدَأ إلا في وقت متأخر، وبعد انحسار ظل الخلافة العثمانية عن منطقة البلقان ولاسيما البوسنة، على إِثْرِ اتفاقية برلين سنة 1878.


 وكان البوشناق البوسنيون قبل ذلك يبذلون الجَهْدَ لفهم القرآن باللغة العربية، التي كانت تكتب البوسنية بحروفها قبل الاحتلال النمساوي، وكانوا يخشون أن يستعيض البوسنيون المسلمون عن الأصل بالترجمة، حتى إن بعضهم منع ترجمة القرآن بسبب ذلك، إلا أن تطوراتٍ كثيرةً حدثت، أجبرتهم على الإقبال على ترجمة معاني القرآن الكريم، لاسيما بعد أن بادر أحد القساوسة بترجمته بشكل خاطئ ، الأمر الذي رفع راياتِ التحذير من إدخال تحريفٍ على القرآن من باب مثل هذه الترجمات.


 


قسيس يترجم القرآن!


 


كان صدور أول ترجمة للقرآن الكريم باللغة البوسنية على يد أحد القساوسة الأرثوذكس، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ حيث كان يقوم بتشجيع المسلمين والصرب على الثورة ضد الاحتلال النمساوي للبوسنة ( 1878 / 1919 )، ويقال إنه استخدم ترجمته للقرآن لتقريب الصرب من المسلمين، وتسهيل الحوار فيما بينهم.


 ورغم أن القس تُوُفِّيَ سنة 1313 هجرية / 1895 م قبل أن تُطبَع ترجمتُه، إلا أنها أثارت ردود أفعال مختلفة داخل الساحة الإسلامية، بسبب الأخطاء الكثيرة التي وردت بها، نتيجةَ أنها لم تكن تَرْجَمَةً عن العربية، وإنما عن الفرنسية أو الروسية، على اختلاف المصادر...فهي ترجمةٌ عن ترجمة!


وقد تناول المسلمون في البوسنة تلك الترجمة بِنَقْضِ ما ورد فيها من أخطاء عقائدية، ولغوية وغيرها، نتيجةً لجهل صاحبها باللغة العربية، كتفسير "غرابيب سود" بأنها "جمع غراب"! بينما هي نوع من الأرض!


 


ترجمة جمال الدين جاؤشيفيتش


 


 جمال جاؤشيفيتش، رحمه الله، هو أحد الرجالات العظام في التاريخ الإسلامي بالبوسنة، وكان رئيسًا للمشيخة الإسلامية هناك، وقد صدرت له ترجمة لمعاني القرآن الكريم، بالاشتراك مع الشيخ الحافظ محمد بانجا رحمه الله، طُبِعتْ سنة 1356 هجرية / 1937 م، ووجدتْ صدًى واسعًا في الأوساط الإسلامية وغيرها، ولما كانتْ هذه الترجمة بِأَيْدٍ مسلمة، وجدت طريقًا أسهل لقلوب المسلمين.


 أما الحافظ محمد بانجا، فهو من العلماء البارزين في البوسنة والهرسك، فقد كان حافظًا لكتاب الله، ومُتَمَكِّنًا من اللغة العربية، وكان يكتب في المجلات الإسلامية التي كانت تصدر على قِلَّتِهَا واقتصارها على شئون الدين، بسبب النظام البوليسي الحاكم.


وكأي جهد بشري لم تَسْلَمِ الترجمة المذكورة من النقد؛ حيث تكونت لجنة من 12 باحثًا، ونشروا ما توصلوا إليه في مجلة " الهداية " في ذلك الوقت.


وكان من مآخذهم على الترجمة أنها تضمنتْ آراء مخالفة لتفاسير المفسرين المشهورين، فيما تركَّزَ النقد على ما ورد في الهوامش أكثرَ منه على النص.


وكان حسن النية على الأغلب وراء ذلك الحِبْرِ الكثير الذي سال حول القضية، فالجميع مشهودٌ لهم بالغيرة على الإسلام، وإنْ حصلت من المترجمين بعض التأويلات التي لم يَسْلَمْ منها بعض المفسرين العرب.


وقد طُبِعَتْ ترجمة تشاوشوفيتش عدة مرات، منها 40 ألف نسخة في سنة 1969، أي بعد 30 سنةً من صدور الطبعة الأولى، ولكن بعد تنقيحها من قِبَلِ شعبان حوجيتش، وعمر ناكيتشفيتش، من السقطات التي وقع فيها الْمُتَرْجِمَانِ بحسن نية .


 


ترجمة علي رضا كرابك


 


 يُعَدُّ علي رضا كرابك من كبار قُرَّاء البوسنة، وكان مفتيًا في موستار ( 120 كيلومترا شرق سراييفو) وكان يفهم اللغة العربية، الأمر الذي يُمَكِّنُه من وجهة نظره من القيام بالترجمة من اللغة العربية. وتعَرَّضَتْ ترجمته كترجمة سابقيه للنقد، وقيل: إن ترجمة جاؤوجيفيتش أو تشاؤوتشوفيتش ( وهي الأقرب للصحة ) أفضلُ منها، لاسيما وأنّ الأخيرة جرى تهذيبها، وتصحيح الكثير من الأخطاء التي وردت في طبعتها الأولى .


وقد استند كرابك في ترجمته إلى تفسير الفخر الرازي، والقاضي البيضاوي، إضافةً لمصادر أخرى.


 وقال: إنه هدف من وراء هذه الترجمة إلى " تقريب معاني القرآن للناس الذين لا يعرفون اللغة العربية ". و قد صدرت الترجمة بدون النص العربيِّ " حتى لا يرتفع ثمن الكتاب "، بحسب المترجم.


 ولم يمنع حُسْنُ النية المترجم من الوقوع في أخطاء شنيعة أثناء الترجمة، فتحولت " فتاب عليه " الآية 37 من سورة البقرة . إلى معنى " تراجع "، و كلمة " من اعتدى " من الآية 178 من سورة البقرة إلى، " و لكن من قتل القاتل " وهكذا. وتضم ترجمة علي رضا كرابك 437 صفحة، منها المقدمة، وفهرس السور.


 


ترجمة بسيم كركوت


 


ترجمة بسيم كركوت، هي من أفضل الترجمات حتى الآن في البوسنة، وجمهوريات يوغسلافيا المستقلة، وتحديدًا البوسنة، وصربيا، وكرواتيا، إضافةً للجبل الأسود، وجالياتهم في مقدونيا وسلوفينيا، ومَنْ يفهم البوسنية في منطقة البلقان .


 وقد صدرت الطبعة الأولى في سنة 1397 هجرية 1977 ميلادية، وطُبِعَتْ بشكل جيد؛ حيث تزاوجت صفحاتها، بواقع صفحة من القرآن الكريم باللغة العربية، مُقَابِلَ صفحة باللغة البوسنية.


 وقد تم مراجعة النص القرآني في اللغة التي نزل بها من قِبَل حفاظ كبار، من أمثال الشيخ محمود تراليتش ، وكامل سيلاجيتش؛ والد رئيس الوزراء البوسني الأسبق حارث كامل سيلاجيتش، وخالد حاجيموليتش .


 وقد أشرف المعهد الأعلى للاستشراق بسراييفو- حيث كان يعمل كركوت- على تلك الطبعة .


 وقد أثارت الطبعة الأولى غضب المسلمين، بسبب المقدمة التي كتبها سلامون غروزدانيتش؛ حيث تُوُفِّيَ المترجم قبل طباعة الترجمة، فأنكر أن يكون القرآن كتاب الله!!


 و اعتبر الأستاذ حلمي نعيماريا في مقالاتٍ له وقتذاك أنّ كلام كاتب المقدمة يُهِين مشاعر المسلمين، وقامت المشيخة الإسلامية بشراء حقوق الطبع، وأعادت كتابةَ مقدمة تليق بالجهد الذي بذله كركوك، وبكتاب الله تعالى.


وقد حقَقَّت ترجمة كوركوت رضًا عامًّا، رغم تأكيد المشيخة الإسلامية على أن الإعجاز مُتَوَقِّفٌ على النص العربي الذي نزل به القرآن، وأن لا أحد يمكنه النجاة من الوقوع في الخطأ أثناء الترجمة . وأشار أصحاب الأقلام الذين تناولوا الترجمة إلى تأثر المترجم بتفسير الزمخشري .


 


ترجمة مصطفى مليفو


 


يرى الباحثون أن مصطفى مليفو ترجم القرآن عن الإنجليزية، وليس كما يقال عن اللغة العربية .


 ويذكر المترجم في مقدمة ترجمته أنّ "...القرآن هو الأكثر قراءةً، والأكثر تأثيرا في فكر الإنسان، كما أنه يلعب دورًا أساسيًا في الإسلام، و يفوق أدوار الكتب المقدسة الأخرى". ويضيف مليفو: " إن عظمة القرآن تكمن في إمكانية العمل به في كل مكان وزمان، كما أنه صريحٌ في مناداته بعدم الإكراه في الدين" .


 وكعادة الترجمات السابقة، لم تَخْلُ ترجمة هذا الرجل من أخطاء في إظهار معنى الآيات القرآنية، وقد عدَّدَ المراجعون تلك الأخطاء بما لا يتسع له هذا الحيز .


 


ترجمة الدكتور أنس كاريتش


 


يُعَدُّ الدكتور أنس كاريتش من المفكرين البوشناق ذوي الثقافة الإسلامية العالية، والاطلاع الواسع على الثقافة الغربية. وقد مَكَّنَهُ ذلك من فهمٍ أَعْمَقَ لجدلية الشرق والغرب،ـ والوقوف على أرضية فكرية إسلامية راسخة. وقد ظهرت ترجمة الدكتور كاريتش في سنة 1415 هجرية 1995 ميلادية، وهم من الذين لهم صولات وجولات في ميدان الدراسات القرآنية، وما يتعلق بها بحكم التخصص، واطلاعه على الترجمات السابقة، وملاحظته للأخطاء التي وقع فيها مَنْ سبقه في ترجمة القرآن الكريم. وهو ما حاول تفاديه في ترجمته.


 وحسب قول أهل الذكر في هذا الميدان، فقد نجح الدكتور كاريتش في رسالته نجاحًا مُرْضِيًا؛ حيث عمد إلى أسلوب العمل الجماعي، من خلال عرض الترجمة على عددٍ من المتخصصين لمراجعتها.


ويبدو أن حضور عدد كبير من العلماء البوسنيين في هذا العمل يَدُلُّ على قيمته العلمية العالية، وضرورةِ أن يكون على درجة كبيرة من الجودة والإتقان.


وكان الدكتور كاريتش قد أعَدَّ دراسةً عن ترجمات القرآن السابقة، ضمَّنها أَوْجُهَ الانتقاد الموجهة لها.


وقال: إن " القرآن لا يمكن ترجمته ترجمةً نهائيةً وأخيرة، بل يجب أنْ تتواصل عمليةُ ترجمته بصفة دائمة ومستمرة بدون انقطاع "، مُسْتَدِلًّا في ذلك بالأثر: " لا يَفْقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الفقه حتى يرى للقرآن وُجُوهًا كثيرة ".


 ويقول الدكتور كاريتش: إنّ " القرآن الكريم يبقى كما هو في كل الأزمنة، أما ترجماته فهي صورةٌ لِفَهْمِ الْمُتَرْجِمِ في زمنٍ ما، و لذا تبقى الترجمة منسوبةً لتاريخ البشرية وتجربتها" .


ومع ذلك لم تخلُ ترجمة الدكتور كاريتش من أخطاءٍ وزيادة ونقصان، كأي عمل بشري آخر. إلا أنَّ ذلك لا يقلل من أهمية الترجمة وتميزها.


 


ترجمة الدكتور أسعد دوراكوفيتش


 


 يُؤَكِّدُ الدكتور أسعد دوراكوفيتش، أستاذ كرسي الفلسفة بالجامعة البوسنية، على أنَّ "الميزة لجميع ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة البوسنية تَصْدُرُ من حقيقةِ أنّ تلك الترجمات تأتي لاجتهاد العلماء البارزين المتخصصين في أصول الدين " .


 وقال في حديث " للإسلام اليوم " بمناسبة صدور الطبعة الأولى لترجمته للقرآن الكريم ، وهي الطبعة السابعة في البوسنة: " لقد أثرت حقيقة الاجتهاد في أهداف المترجمين على أعمالهم و طرقهم "، ويشرح ذلك بالقول: " اكتفى هؤلاء المترجمون بنقل معاني القرآن فقط، بحيث لم يهتموا بنواحي النص الأصيل، والتي هي ذات أهمية خاصة. " مُضِيفًا: " انطلاقًا من ميزات القرآن هذه، فإنّ كل ترجمة لا تَهْتَمُّ بهذه القيم تأتي غير مناسبة من الناحية البلاغية. ولذلك فإنّ أغلبية الترجمات تأتي فقيرةً جِدًّا على صعيد الأسلوب " .


وحول دوافعه من وراء إضافة ترجمة سابعة للقرآن الكريم باللغة البوسنية، يقول الدكتور دوراكوفيتش: " نظري في الترجمات السابقة جعلني أجرؤ على ترجمة القرآن الكريم، وكان هدفي الأساسي هو أنْ أتناول بلاغته البارعة، ولو إلى حدٍّ يمكِّن القارئ من تصور الإعجاز في النص الأصلي المنزل باللغة العربية؛ لذا قمت بترجمة معاني القرآن الكريم، مُهْتَمًّا بقيمه الأسلوبية، وذلك لأول مرة باللغة البوسنية، وكان هذا الاهتمام نزعة أساسية لي، وكان مبدأ التميز لترجمتي مقارنةً بغيرها من الترجمات السابقة ".


 وعن طريقته في نقل البلاغة القرآنية قال: " كنتُ أبذل جهودي في أنْ أَنْقُلَ إلى ترجمتي كثيرًا من القوافي و التراجيع الإيقاعية ، وكنت أهتم بنظم النص المترجم، وكنت أُصِرُّ -على قدر ما وسعني- على نقل القيم الأسلوبية، على المجاز والبلاغة عمومًا ".


 و حول كيفية ترجمته للآيات الطوال، قال: " في ترجمة الآيات الطوال أدخلتُ القافيةَ الداخلية والإيقاع، مُحَاوِلًا أنْ أُقَدِّمَ نتائج صوتية متشابهةً إلى حدٍّ ما، بالتي نجدها في النص العربي ".


و حول المطَبَّات التي يمكن أن يقع فيها أي مترجم للقرآن الكريم، قال: " عند استعمالي لوسائلي الخاصة في الترجمة، حاولتُ اجتناب خطرين؛ أولهما: خطر الابتذال، علمًا بأني أنقل النص المقدس الذي لا نظير له.


 أما الخطر الثاني فهو ينبع من وعيي أن القرآن الكريم قول الله تعالى .


 ورغم الحفاوة التي لقيتها الترجمة، والصدى الكبير الذي استُقْبِلَتْ به في الأوساط البلقانية والبوسنية على الأخص، إلا أنها ككل جهد بشري، لم تخلُ من الانتقادات، و الردود على بعض ما جاء في ترجمة بعض الآيات، كترجمة مثل " كواعب أترابا " ( سورة النبأ الآية 33 )؛ حيث فَضَّلَ البعضُ ترجمة الأستاذ محمد أسد رحمه الله التي يَجْرِي نقلها للبوسنية على ترجمة الدكتور دوراكوفيتش في هذا المنحى بالتحديد؛ حيث إن القرآن يخاطب النساء والرجال معًا، وليس الرجال فقط. إلا أن الدكتور دوراكوفيتش ليس أوَّلَ مَنْ قال بتلك التفاسير، أو بالأحرى، المعاني .


تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف