آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

العقول والكوادر العربية في البلقان

الاحد 05 صفر 1432 الموافق 09 يناير 2011
العقول والكوادر العربية في البلقان
 

تشير الآثار التاريخية الموجودة في متحف دوبروفنيك، بكرواتيا حاليًا، إلى أن تاريخ الاتصال الثقافي والتجاري بين البلاد العربية ومنطقة البلقان كان سابقًا للفتح العثماني في القرنين الثالث والرابع عشر الميلاديين للمنطقة. كما تفيد الدراسات البيولوجية أن سكان البلقان يحملون أكثر من 70 في المائة من الجينات الوراثية في الشرق (كروميزوم واي)؛ أي أن الهجرة من الشرق إلى الغرب كانت متواصلة منذ قرون غارقة في القدم. ويوجد حاليًا في ألبانيا ومقدونيا والبوسنة عائلات تعود جذورها إلى الحجاز ومصر والشام.

كانت تلك مقدمة ضرورية لمعرفة أحد أسباب الارتياح الغامض الذي يشعر به الوافد العربي وصاحب الأرض في البلقان، كلاهما للآخر في غالب الأحيان.

هجرة طويلة

أغلب العقول والكفاءات العربية المهاجرة إلى منطقة البلقان قدمت للدراسة والتحصيل العلمي، ونبغت في مجال تخصصاتها، لاسيما الطب والهندسة، ومن ثم قررت البقاء في البلقان. وبعد الحرب التي شهدتها المنطقة وصلت موجة جديدة من العقول والكوادر، ولاسيما في مجال اللسانيات. أما أسباب الهجرة الطويلة بتعبير بعضهم فتعود لعدة عوامل، منها :

1- الزواج، وإنجاب الأطفال الذين يواصلون تعليمهم في المدارس والمعاهد والكليات البلقانية، ولا يستطيع الآباء نقلهم للبلاد العربية لمواصلة تعليمهم.

2- الأوضاع السياسية المتردية في البلد الأصلي، حيث يسود القمع والقهر وانتهاك الحريات الأساسية للإنسان.

3- عدم وجود بدائل حضارية كغلق أبواب الهجرة للبلاد العربية الأخرى التي تفضل الأجانب، سواء كانوا غربيين أو من مواطني جنوب شرق آسيا.

4- التخلف الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد العربية التي تشكو بدورها من بطالة الخريجين وحملة الشهادات العليا. وبالتالي فإن الهجرة وقرار البقاء في الخارج وليد الاحتياجات الإنسانية، كالأمان، والحرية، والفرص الأفضل للحياة، في بعض جوانبها. كما لا يخلو القرار لدى البعض من نتائج مقارنة وفق المعيار المادي والكسب.

5- عدم وجود أموال مخصصة للبحث العلمي في كثير من البلاد العربية، فما يصرف على الأمن يبلغ 15 في المائة من الناتج المحلي مقابل 1 في المائة للبحث العلمي، و ذلك في كل البلدان العربية مقابل 15 في المائة للبحث العلمي في الكيان الصهيوني.

لا توجد حاليًا إحصائيات موثقة عن عدد العقول والكفاءات العربية في منطقة البلقان، لكن البعض يقدرها بنحو 5 آلاف من الكفاءات العلمية في مجال الطب والهندسة والمعلوماتية والآداب، موزعين على جمهوريات يوغسلافيا السابقة المستقلة، وبعض الدول البلقانية الأخرى كاليونان وألبانيا. ولا يكاد يوجد مستشفى دون أن يكون به عدد من الكوادر العربية التي أصبحت معروفة لدى المواطنين في منطقة البلقان، وهناك أسماء بارزة في كل مجال من مجالات العلم والمعرفة، فعلى سبيل المثال يبرز اسم الجراح الكبير يوسف حجير في البوسنة، والدكتور حجير هو أشهر من نار على علم، يعرفه الجميع ويقدر الخدمات التي قدمها ويقدمها للشعب البوسني، إضافة إلى أحمد سمارة في كرواتيا، وخالد السهيلي، ومصطفى حمامي، وأسماء أخرى يطول ذكرها.

وبعد الحرب قدم إلى المنطقة كوادر ومتخصصون من النوع الذي يصعب إعداده في المنطقة، مثل كوادر اللغة العربية والعلوم الإسلامية، الذين أبلوا بلاءً حسنًا في الارتقاء بمستوى اللغة العربية في منطقة البلقان، ومساعدة الكوادر المحلية في تثقيف الطلبة بكليات الفلسفة وأقسام اللغة العربية التابعة لبعض الكليات ومنها كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو.

ارتياح وتقدير

ولا يخفي معظم البلقانيين ارتياحهم لوجود كوادر عربية تعمل على مساعداتهم في كل المجالات، لاسيما في الميدان الطبي، فقد أثبت الأطباء العرب كفاءة عالية وإخلاصًا نادرين، ففي الوقت الذي كان فيه البعض يحزم حقائبه للرحيل بسبب الحرب، أو وصل بالفعل إلى بر الأمان في ألمانيا واستراليا وكندا وبريطانيا وغيرها، ظل الكثير من الأطباء العرب يعملون داخل المستشفيات والجامعات بدون مقابل، وبدون الحدود الدنيا من لوازم العمل، حيث كانوا يجرون العمليات الجراحية بدون تخدير، وعلى ضوء الشموع، إذ أن التيار الكهربائي كان مقطوعًا، لاسيما في سراييفو طيلة سنوات الحرب. وقد حصل الكثير من الأطباء العرب على شهادات تقدير من المؤسسات المحلية على كفاءتهم وتفانيهم في خدمة المجتمع الذي احتضنهم واحتضنوه. فقد كان الأطباء العرب أعضاءً في جمعية الأطباء العرب في أوربا، وكانوا ينقلون (إلى جانب عملهم داخل المستشفيات) بعض المساعدات المالية إلى زملائهم في البلقان.

شهادات التقدير طالت أساتذة الجامعات من مدرسي اللغة العربية العرب، والمراسلين الذين كرمتهم مؤسسات المجتمع البلقاني، ومنها المؤسسات الدينية كالمشيخة الإسلامية. ولم يكن ذلك التكريم مبالغ مالية أو قطع أرض؛ وإنما أشياء رمزية كالدروع واللوحات الفنية، وهي ذات دلالة وإيحاء كبير يفيد بأن الكوادر العربية تقوم بعمل مقدر يذكره الناس و يشكرونه.

لعنة السياسة

إلا أن تكريم العرب في البلقان لم يدفع الآخرين لخوض غمار العمل السياسي. ولعزوف العرب في البلقان عن العمل السياسي قصة ذات شجون، فهم لم يتخلصوا بعد من عقدة العمل السياسي في البلاد العربية، كما أن الانتماء لهذا الحزب أو ذاك يجعلهم محل انتقاد الأحزاب الأخرى. وكان الرئيس الراحل علي عزت بيجوفيتش رحمه الله، قد رشح بعض الكوادر العربية للبرلمان، لكنهم ما لبثوا أن طلبوا إعفاءهم من العمل السياسي، والاكتفاء بوظائفهم الأكاديمية، الأمر الذي عده البعض تفريطًا في حقوقهم؛ إذ أن العرب كمواطنين بوسنيين من حقهم الانخراط في الأحزاب، وتمثيل العرب في البوسنة، وغيرها من دول البلقان، ولاسيما تلك الدول التي يجد فيها العرب أنفسهم مواطنين من الدرجة الثانية. أما موقف الأحزاب السياسية والطوائف الدينية في المنطقة من الكوادر العربية، فيختلف وفق كل فريق أو جهة من هذه الجهات. ففي الوقت الذي ينظر فيه المسلمون بعين الرضا للوجود العربي ولاسيما العقول العربية، تنظر إليه بعض الجهات الأخرى بعين الشك والريبة، ويعدونه من عوامل التوتر، وأحد روافد تقوية المسلمين، رغم أن خدمات تلك الكوادر تصب في صالح الجميع دون تفريق. لكن بعض الجهات في منطقة البلقان، وفي أكثر من بلد، أثارت زوابع إعلامية وسياسية ترفع لافتات تزعم أن العرب يأخذون وظائف الآخرين (أبناء البلد)، وعندما فتح الباب لتوظيف بعض الكوادر المحلية في عدد من الدول الخليجية صاحوا: "العرب يريدون أن يتركوننا بدون كوادر".

لكن الأنكى من ذلك محاولة البعض رمي كل العرب بمن فيهم الكفاءات بشبهة الإرهاب، أو احتمالات وجود علاقة لهم بذلك في المستقبل!

يؤكد محمود (مهندس) لموقع الإسلام اليوم بأن العربي "يشعر بالغربة مهما كانت الظروف المادية، فأطلال ذكريات الصبَا والأهل والأصدقاء تبقى طاغية على حياة المهاجر، ويزداد حنينه كلما طال غيابه". ويؤكد أحمد (إعلامي) بأن "وجود طاقات تعمل في الخارج مهم للبلاد العربية، للاستفادة من خبراتها، ولكن لا أحد يهتم كثيرًا بهذه القضية الحيوية"، وتابع: "كان العلماء العرب في مختلف التخصصات سابقًا لا يعرفون الحدود الموجودة حاليًا بين البلدان العربية، فإذا سئم الواحد منهم من بلد كان بإمكانه الرحيل إلى بلد آخر بدون أي عراقيل، ولكن في ظروفنا الحالية الأمر مختلف تمامًا". ويشير عبدالرؤوف، (خبير في الحاسب الآلي)، إلى "عدم وجود إمكانية للعودة للبلاد العربية؛ لأن بعض الحكام الجهلة لهم عقدة مع المعرفة وأهلها، ولا يحبون المثقفين، ويعتبرونهم تهديدًا"، وذكر أن عددًا من الكوادر العربية عادوا لبلدانهم، فطلب منهم العمل في غير التخصص الذي أفنوْا أعمارهم في إتقانه.

تخصصات معطلة

ومن بين الكوادر العربية من يعمل في غير التخصص الذي درسه في الجامعة، فنجد بعض المهندسين والأطباء يعملون في مجالات أخرى، كمترجمين لدى بعض السفارات، أو على الحاسب الآلي، وهم يخجلون من ذلك، لكن ظروف المعيشة اضطرتهم. يقول س م: "إذا عملت بتخصصي، وهذا في حالة العثور على وظيفة، فإن راتبي لا يكفيني، كل شيء قادم من الخارج إلى هذه المنطقة، فمثلًا البنطلون القادم من إيطاليا لا يعرض بأسعار إيطاليَّة فحسب؛ بل يزيد عليه رسوم الجمارك والإرباح والضرائب المرتفعة، فيشتريه المواطن والمقيم هنا بأضعاف سعره في أي بلد أوروبي آخر، وهذا ينطبق على المواد الغذائية وكل شيء تقريبًا". أما "إ ر"، وهو من الجزائر، وقد أنهى دراسة الاتصالات السلكية واللاسلكية في يوغسلافيا السابقة، فيسرد قصته على النحو التالي: "قدمت من الجزائر على نفقة الحكومة لدراسة الاتصالات، وبعد التخرج لم أعثر على أي عمل، وحتى الآن أحاول أن أعمل في المجال الذي تخصصت فيه دون جدوى"، ويتابع: "تعرضت للكثير من الغصص، لاسيما أني متزوج ولي أبناء، وبعد جهد جهيد تمكنت من العمل لدى بعض المؤسسات الخيرية، ولكن سرعان ما جاءت أحداث 11 سبتمبر لتؤثر على عملها، وينعكس ذلك سلبًا على العاملين فيها". ويعتقد البعض بأن رغبة الكثير من الكوادر في البقاء بالبلقان، رغم عدم توفر فرص عمل لها في مجال تخصصها، تعود لأسباب مختلفة، فهم على سبيل المثال لا يستطيعون "رؤية الأوساخ في شوارع بلدانهم، ولا تحمُّل حياة البطالة في مجتمعاتهم، ولا أسلوب الحكم الذي يعامل المواطنين كقطعان من الماشية "، لذلك يفضل الكثير منهم الحياة في البلقان، بما فيها من مشاكل، على الحياة في بلده الأصلي "الذي تحكمه المخابرات بعقلية العصابات وتجار المخدرات".

وهناك كوادر عادوا لبلادهم، منهم الدكتور أحمد المصري (من سوريا)، الذي قرر العودة إلى بلده بعد سنوات من القحط عاشها في البوسنة، وكنتُ قد التقيته قبل سفره، حيث ذكر بأنه يريد أن يعيش حياة الطبيب، ولا يريد أن يعيش فقيرًا رغم حصوله على شهادة جامعية، وقال: "لا يمكنني بعد اليوم أن أضطر لاقتراض 50 ماركًا (25 يورو تقريبًا) لشراء تذكرة حافلة من سراييفو إلى بلغراد.. قلت هذا لزوجتي وأبنائي وكل من طلب مني البقاء في البوسنة".

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف