آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

طالبان قلبت المعادلة الأفغانية

الاثنين 29 ذو الحجة 1436 الموافق 12 أكتوبر 2015
طالبان قلبت المعادلة الأفغانية
 


شكلت سيطرة حركة طالبان أفغانستان على مدينة قندوز المحاذية لطاجيكستان ذات الأغلبية الطاجيكية نقلة نوعية استراتيجية عسكرية وسياسية في مسار الحركة بقدر ما شكلت انتكاسة للحكومة الأفغانية والقوات الأميركية التي قادت تحالفاً دولياً من 38 دولة لعقد ونصف العقد من أجل إسقاط وتدمير الحركة، فكانت النتيجة خروج طائر الفينيق من تحت رماد القصف الدولي، لتنعت النيويورك تايمز زعيم الحركة الجديد الملا أختر محمد منصور بأنه أمكر عدو واجهته أميركا خلال العقود الماضية، فبقدر ما أظهر من مرونة ودفع لعملية سياسية مع الحكومة الأفغانية كان يُبطن إرادة فولاذية تجسدت بقدرته على تضليل أجهزة مخابرات العالم كله لسنتين ونصف بإخفائه وفاة الزعيم السابق الملا محمد عمر حتى انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، ليتفرغ الآن لعمليات عسكرية نوعية متلاحقة ضربت مصداقية أميركا وكل حلفائها.

جاءت العملية الأولى بسيطرة مقاتلي الحركة على منطقة إسلام قلعة على الحدود مع إيران وهي المنطقة التي استثمرت فيها القوات البريطانية طويلا لكن انهارت أمام ضربات طالبان كبيت العنكبوت، وأتبع الضربة بعملية وسط البلاد حيث تمكن مقاتلو الحركة من اقتحام سجن غزني العتيد وأفرجوا عن أكثر من 350 سجيناً بينهم 144 تقريبا من مقاتلي الحركة، وبينما لم تتعاف القوات الأفغانية من صدمة غزني كان مقاتلو الحركة يفاجئون العالم كله بسيطرتهم الكاملة على مدينة قندوز الاستراتيجية المحاذية لطاجيكستان، ولم تُجد الغارات الأميركية على خلع طالبان من المدينة، بل تسببت في انتكاسة خطيرة لهم حين استهدفوا مشفى دولياً أدى لسقوط قتلى مدنيين وطاقم طبي مما دفع المنظمة الدولية إلى نفي الاتهامات الأميركية والأفغانية في أن مقاتلي طالبان أطلقوا النار من داخله، وهو ما أجبر القوات الأميركية على الاعتذار العلني.

قندوز ليست مدينة عادية فهي بوابة الشمال الأفغاني كله، ونظراً لخزنها معادن، وأراضي زراعية خصبة، توفر للحركة مردوداً مالياً مهماً بالإضافة إلى أن السيطرة عليها ستقطع الشمال إلى جزر ويتعذر على الحكومة الوصول إلى كل المناطق، لاسيَّما وأن الحركة واصلت هجماتها لتسيطر على مناطق في بدخشان المجاورة وجوزجان، وتمنع من وصول إمدادات ضخمة للحكومة من ولاية بغلان.

ما الحبل السُّري بين هذه العمليات الثلاث؟ الناظم الأساسي فيها هو انتهاج الزعيم الجديد لسياسة الصدمة والترويع التي كانت القوات الأميركية تتفاخر فيها بحربيها بالعراق وأفغانستان، بالإضافة إلى أن الوجه البيروقراطي الطالباني الوحيد ممثلاً بالزعيم الجديد يُخفي وراءه عقلية عسكرية فولاذية دفعت قادة عسكريين أميركيين إلى مناشدة أوباما عدم إكمال الانسحاب العام المقبل وإلا فإن أفغانستان ستعود خطراً على الأمن القومي الأميركي تماماً كعشية أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن المهم في استهداف طالبان مناطق غير بشتونية حيث الحاضنة الرئيسية والأساسية لها كون معظم عناصرها ينحدرون من الأغلبية البشتونية، وهي رسالة طالبانية قوية إلى أن حاضنتها هي كل أفغانستان، وسحب الورقة الأقلوية التي قد تتاجر بها أميركا وإيران وغيرها من القوى الدولية والمحلية كما يحصل في الشام واليمن وغيرهما، أضف إلى ذلك نزع الصورة النمطية من أن باكستان هي من تدعم الحركة، فحصول المعارك العنيفة في مناطق بعيدة عن الأراضي الباكستانية ومجاورة لدولتين معاديتين حتى العظم لطالبان لا يبقي مجالاً لأحد ليتهمها بدعم هجومات الحركة.

على مدى الغزو الأميركي لأفغانستان تم التركيز على مناطق الجنوب والشرق البشتونيتين كونهما حاضنة طالبان الاجتماعية ولقربهما الجغرافي من باكستان المتهمة بدعمها ولذا لميتم بذل الجهد العسكري في الشمال والغرب وهو ما استغلته طالبان أيضاً في هذه الهجمات المفاجئة.

الحكومة الأفغانية برأسين، وعلى الرغم من مرور عامين على تشكيلها إلا أنها فشلت في تشكيل حكومة، لكونها جمعت الموالاة والمعارضة بالوقت نفسه، فالرئيس الفائز بالانتخابات أشرف غني يتشارك السلطة مع خصمه الدكتور عبدالله عبدالله، وهي إفرازة من إفرازات الفشل الأميركي في أفغانستان الذي عجز عن تقديم أسلوب حكم يُرضي حلفاءه الأفغان فضلاً عن معارضيه وخصومه، وفوق هذا الشعب الأفغاني كله.

فالسياسة الأميركية في أفغانستان تماماً كالسياسة الروسية في الشام تقوم بالضرب والقتل، بينما تتفرغ إيران للعمل على الأرض، وهو ما سبب غضباً شعبياً تجسد بمظاهرات في الشمال والوسط والجنوب ضد إصرارها على استصدار بطاقات هوية أفغانية تستثني الدين والعرق، وترافق هذا مع وصول جثث لمهاجرين أفغان أعدمتهم إيران بحجة الاتجار بالمخدرات وكان بعضهم قد قتل رمياً بالرصاص وهو ما لم يُقنع الجمهور.

لكن قلب المعادلة الطالبانية لن يكون داخلياً فقط وإنما إقليمي ودولي، لا ننسى الغزو الدولي لأفغانستان بدعم إيراني وصيني وروسي وكل دول المنطقة لخلع طالبان وتدميرها وتدمير تنظيم القاعدة، وعودة طالبان اليوم كلاعب مهم عسكرياً سيضع الكل في مواجهة معها لاسيَّما وأن التقارير تتحدث عن تدفق لمقاتلين أوزبك وطاجيك ووجود معسكرات تدريب في مناطق الحركة وهو ما سيرغم الدب الروسي على إعادة التفكير بسياسته الحذرة والصامتة إزاء أفغانستان ما دامت أميركا تقوم بالدور، ولكن بالمحصلة تظل وسط آسيا حديقة خلفية أمنية مهمة للعقلية الروسية.

(العرب)

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف


   

مقالات للكاتب