آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

لا تتعصب لقومك فقد تكون من أقوام أخرى!.. فيصل القاسم

الاحد 07 رمضان 1437 الموافق 12 يونيو 2016
لا تتعصب لقومك فقد تكون من أقوام أخرى!.. فيصل القاسم
 

 

هناك مصطلح فرنسي شهير "Deja Vu"، ويعني بالضبط شعور الإنسان بأنه زار هذا المكان أو ذاك من قبل، رغم أنها في الواقع أول زيارة له لذلك المكان. ولا شك أن الكثير منا شعر مثل ذلك الشعور مرات ومرات. فلطالما زرنا منطقة معينة لأول مرة، فشعرنا أن المكان ليس غريبًا علينا، بل يكاد يكون مألوفًا، رغم أننا لم نره أبدًا في حياتنا. وبعضنا قد يستمتع بصور ومناظر تعود إلى قرون مضت، ويشعر أنه ينتمي إليها، مع العلم أن بينه وبينها قرونًا. ولا شك أنه شعور غريب جدًا أن تشعر بأنك تنتمي إلى زمان ليس زمانك، أو إلى بلد غير بلدك، أو أن تكره مكانًا أو شعبًا، رغم أنك لم تزره أو تحتك به. هل يا ترى ذلك مجرد تخيلات وتصورات غير حقيقية، أو مجرد أو أوهام، أم إن لذلك علاقة بالـ "DNA"المادة الوراثية الموجودة في دم الإنسان، والتي تحدد أصله وفصله وماضيه وأسلافه وتاريخه؟

أحد البرامج التلفزيونية الغربية قام بتجربة مذهلة وفريدة من نوعها. استضاف مجموعة من الأشخاص، وسألهم عن مشاعرهم تجاه البلدان والشعوب الأخرى وعن نظرتهم إلى أنفسهم وإلى بلدانهم. والمدهش في الأمر أن بعضهم كان يعتز أيما اعتزاز بهويته أو جنسيته، بينما عبر آخرون عن كرههم أو حبهم لشعوب وبلدان وثقافات أخرى. وقد أظهر البرنامج التلفزيوني أن كل الذين استضافهم لإجراء تجربة الـ "DNA" عليهم كانوا متعصبين لآرائهم ووجهات نظرهم وجنسياتهم، ولم يتنازل أحدهم للحظة عن هويته، بل أصروا على أنهم لا يمكن أن يكونوا إلا ما هم عليه الآن في جنسياتهم الحالية. وقد شملت التجربة أشخاصًا من انجلترا وأيسلندا وبنجلادش والعراق وفرنسا وإفريقيا وأكرادًا وكوبيين لتحديد التاريخ الوراثي الذي لا يُظهر فقط من هم آباؤهم، بل أيضًا أجدادهم وجداتهم وأجداد أجدادهم وأسلافهم والمناطق التي عاشوا فيها قبل مئات السنين أو أكثر.

وكانت التجربة بسيطة للغاية، فقد طلب البرنامج من الحاضرين أن يبصقوا فقط في أنبوب صغير. وقبل أن يفاجئوهم بالنتائج لاحقًا بعد أسبوعين، أخبروهم أن قصة حياتهم الحالية وتاريخهم الوراثي كله موجود داخل البصقة التي بصقوها في الأنبوب الصغير. وكانت المفاجأة كبيرة جدًا عندما بدأ البرنامج يكشف أصل وفصل الذين أجرى عليهم التجربة الوراثية. وقد شعر الضيوف بإحراج ودهشة كبيرة جدًا عندما سمعوا نتائج التحليل الوراثي. لقد اكتشفت الفتاة التي قالت قبل التجربة إنها كردية وتعتز بكرديتها، وإنها تكره الأتراك، اكتشفت أن أصولها ليست كردية، بل تركية قوقازية. أما الفرنسية التي قالت إنها لا تحب الانجليز، فتبين أن اثنين وثلاثين بالمائة من أصلها إنجليزي. أما الشاب الأيسلندي المعتد جدًا بأصله الأيسلندي الأصيل والذي يعتبر نفسه أهم من كل الأصول الأخرى، فقد اكتشف أن لا علاقة له بأيسلندا بلده الأصلي، بل هو مزيج من جنسيات أوروبا الشرقية وإسبانيا وإيطاليا واليونان والبرتغال. والإنجليزي الذي عبر عن كرهه للألمان وجد أن خمسة بالمائة من أصله ألماني، وأنه إنجليزي بنسبة ثلاثين بالمائة فقط. أما الشاب الكوبي فقد وجد أن أصله من أوروبا الشرقية ولا علاقة له بوطنه الحالي كوبا. وتفاجأ البنغالي الذي عبر عن كرهه للهنود والباكستانيين أن في جيناته عرقًا هنديًا وباكستانيًا. أما العراقي العربي فقد وجد أن في جيناته أصولًا يهودية.

الهدف من البرنامج طبعًا نسف التعصب العنصري والعرقي وإظهار أننا لسنا أعراقًا خالصة، بل نحن مزيج من أعراق وأصول مختلفة، لا بل ننتمي إلى أوطان وبلاد غير بلادنا التي نعيش فيها الآن. لا عجب إذاَ أننا نشعر أحيانًا عندما نزور مكانًا للمرة الأولى بأننا زرناه مرات ومرات من قبل، رغم أننا في الواقع لم نزره أبدًا. ربما أن جيناتنا هي التي تشدنا إلى هذا المكان أو ذاك، أو تجعلنا نكره هذا المكان أو ذاك. لقد لخص الفرنسيون هذا الشعور بالمصطلح الذي ذكرناه أعلاه ""Deja Vu، أي "كنت هنا يومًا ما". أما في أقوالنا الشعبية، فأفضل قول يطابق المصطلح الفرنسي ولو بطريقة مختلفة، فهو: "مش معروف قرعة أبوه من وين". لهذا أيها المتعصبون لأعراقكم وأجناسكم وعقائدكم، تمهلوا قليلًا، فلا أحد يعرف قرعة أبوكم من وين!

(الشرق)

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف


   

مقالات للكاتب