آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

التوازن الفكري (3/6)

"العقل" الطريق الأول لإحداث النسبة بين التصورات

الاثنين 06 ربيع الثاني 1431 الموافق 22 مارس 2010
"العقل" الطريق الأول لإحداث النسبة بين التصورات
 

بعد استعراضنا لـ"مفهوم التوازن الفكري"، و"آلياته", نستعرض في هذا المقال "الطرق الصحيحة لإحداث النسبة بين التصورات"؛ وهي العقل, والوحي المُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بنوعيه.

واختياري للعقل باعتباره الطريق الأول, ليس تقديمي للعقل هنا على اعتبار أنّه أوثق الطرق للحصول على التصديقات, بل لأنّه يمثل المجهود الذهني البشري الصرف, وإلا فإنّ العقل يُعرضنا كثيرًا للخطأ في إحداث التصديقات، وذلك حين يقوم بنسبة الأحكام إلى تصورات مُتخيلة كما قدمنا في مثال العنقاء, أو موهومة كالخوف من الغول, أو حينما يُخطئ العقل في إجراء النسبة بين التصورات كالحكم بأنّ الملتحي متطرف, أو الحليق غير متدين، بناء على تصور قاصر للملتحي والحليق، وتصور قاصر للتطرف والتدين.

فالتصورات القاصرة هي عبارة عن مقدمات خطأ, والمقدمة الخطأ لا يمكن أن تكون نتيجتها صحيحة أبدًا حتى لو توافقت مع الصواب, لأنّ كل نتيجة متعلقة بمقدماتها حتمًا, فإذا توافقت النتيجة ذات المقدمات الخاطئة مع الصواب فإنّها لا يمكن أن تكون صوابًا لأنها ستكون مرتبطة بمقدماتها ارتباط الفرع بالأصل, كما أنّ النتيجة الصواب الناشئة عن مقدمات صحيحة مرتبطة بمقدمتها على النحو ذاته فقولنا على وجه المثال: محمد رجل عربي والعرب صادقون فمحمد صادق, فصدق محمد صلى الله عليه وسلم عند هذا القائل إنما هو باعتباره عربيًا, وهي نتيجة كاذبة ولو كانت تشبه الحقيقة من حيث الظاهر.

أما قولنا: محمد رسول الله، ورسل الله صادقون فمحمد صادق, فهو قول يحكم بالصدق لمحمد صلى الله عليه وسلم باعتباره رسولاً، وهي النتيجة المطابقة للصواب لابتنائها على مقدمات صحيحة.

والأخطاء في نسبة التصورات إلى بعضها قد تكون لقصور في التصور كما في الأمثلة المتقدمة, أو لاستنتاجات كلية أو أغلبية من مقدمات جزئية, وكذلك استنتاجات جزئية بناء على مقدمات كلية أو أغلبية، فالأول كالحكم بأنّ ركوب الطائرة مغامرة بناء على حالة أو حالات من الخطر, والآخر كالحكم بأنّ السم غير قاتل لنجاة حالة أو حالات من خطره.

مع أنّ الحكم الكلي والأغلبي له طرق لابد من التوصل إليه عبرها, ومنها:

-       الوحي: فما حَكم المولى عز وجل عليه بالكلية، فهو كذلك قطعًا كما في قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} (آل عمران: 185). ولا يمكن أنْ يتطرق إليه الاستثناء إلا من الله عز وجل, كما في قوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (آل عمران: 93).

ومن أمثلة الحكم الأغلبي في القرآن الكريم قوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} (يوسف: 103). وكذلك لا مكان لمعارضة الأحكام الأغلبية الصادرة من الوحي بأي استثناء مهما كان مبرره؛ إلا أن يكون الاستثناء منصوصًا عليه, فالاستثناء المنصوص كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ * مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النحل: 105 - 106).

-       ومن طرق الحكم الكلي الاستقراء التام: وهو تتبع جميع الجزئيات في أمر ما للحكم بكلية تعلق وصف فيه, وذلك كقولنا كل طلاب القسم من أبناء المملكة, نتيجة تتبع جنسيات كل الطلاب, والاستقراء التام قطعي في دلالته؛ حين تكون أدواته صحيحة والقائم به موثوقًا, والغالب أنّه غير ممكن إلا في الكليات محصورة الجزئيات.

-       أما الاستقراء الناقص: فهو تتبع ما يكفي من الجزئيات للحصول على ظن بكلية هذا الحكم على جميع الجزئيات.

والاستقراء الناقص أداة صحيحة لتكوين الأفكار بشرط أنْ تكون العينة المستقرأة ممثلة لنوعها بحيث يصح قياس جميع الجزئيات المهملة عليها؛ كالقول بأنّ أقل سن تبلغ فه النساء تسع سنوات؛ نتيجة لاستقراء طائفة من النساء من أجناسٍ مخلتفة وأجواء متغايرة, فهذا الحكم ظني بمعنى أنّه لا يمنع وجود استثناءات.

وكذلك الأحكام الأغلبية يمكن التوصل إليها عن طريق استقراءات ناقصة, وهي طريقة معتمدة منذ القدم لبناء الأفكار وفق شروط أصبحت اليوم أكثر دقة ومنهجية يعتمدها الإعلاميون والتربيون والمخططون والمفكرون.

وجميع الاستنتاجات الكلية والأغلبية الّتي لا تَصْدُر عن هذين الطريقين أعني النص والاستقراء تُعد انطباعات خاصة قد توافق الصواب، وقد لا توافقه لكن ينبغي أن لا تفرض على الرأي العام عبر وسائل الإعلام كما لا ينبغي ترويجها لدى صانعي القرار؛ بغية التوصل منهم إلى اعتماد قرارات تنظيمية أو جزائية أو تنموية بناء عليها.

أما محاولة فرضها على الرأي العام فهو كذّب ضار على المجتمع ولا يختلف ضررها حين تكون انطباعات سلبية عن ضررها حين تكون إيجابية, لأنّ تصوير المجتمع لنفسه أو تصوير أمر شديد التعلق به على خلاف ما هو عليه في الواقع يُحدث أضرارًا متقاربة في الخطورة سواء أكانت الصورة سلبية أم إيجابية.

كل ذلك لأنّ الأحكام الكلية والأغلبية سواء أكانت في مجال الشريعة، أم في أي مجال آخر تُعد من أخطر الأحكام، التي لا تُبنى عليها الأفكار المجردة وحسب؛ بل تُعد أصلاً في معرفة ما يُصلح الأمة وما يُفسدها، وما هيّ بحاجة إليه من علوم ومنشآت وخدمات، وما هي في غنى عنه، كما هي ركيزة في التخطيط لمستقبل الأمة والكشف عن حقيقة واقعها.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - حنصالى بن تاشفين مساءً 11:35:00 2010/03/23

    صورة طبق الاصل لما اعتقده معكم تماما ولا نريد ان نستبق الموضوع بمجرد ما ان ضهرت ارقام التسلسل للمواضيع ..لاكن دكتور امانة علمية اذا لم تصل الى التوازن الاجتماعى فجهدكم سيذهب هباءا منثورا فالاخير هو نتاج هته السقافة الفكرية والتى تتحدثون عنها .. نحن فى الانتضار.

  2. 2 - ام عبد العزيز مساءً 06:07:00 2010/03/25

    يقول ابن الجوزي رحمه الله لا يوجد جنس او نوع من الخلائق بينه من الاختلاف كما بين بني الانسان.. فالتفاوت بين البشر لايمكن حصره برؤية العين المجردة.. ولذا يخطيء من يقارن بين الناس على أساس أن تماثل السن أو غيره من العوامل يقضي بالتماثل في غيره من الجوانب.والاستثناءات أبدا لا تبنى عليها الأحكام؛ فمن ذلك أن أم سلمة رضي الله عنها حين هاجرت إلى المدينة كانت برفقة رجل أجنبي -ضرورة لاإختيارا_وكان غاية في المروءة والكرم لكن ذلك لا يكفي أن يطلق حكم بأن سفر المرأةبدون محرم جائز. لأنه لوقيل ذلك فإن ذلك سيفتح على المجتمع باب من أبواب الشر لا يمكن إغلاقه..والأمر ينسحب على غطاء الوجه وسياقة السيارات والإختلاط وغيرها من المسائل فلا يستشهد بالحالات النادرة على عموم الناس.

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف