آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

أمير الركب

الخميس 22 جمادى الأولى 1431 الموافق 06 مايو 2010
أمير الركب
 

من الأقوال المأثورة عن العرب (الضعيف أمير الركب) ومنها كذلك: (سيروا بسير أضعفكم)، ومعناهما واحد، إلاّ أن الأول أبلغ؛ إذ يشير إلى أن الناس حين يكونون في سفر، فإن عليهم أن يسيروا بسير صاحب الدابة الضعيفة، وكأنهم يأتمرون بأمره، وذلك من أجل الحفاظ على وحدة الركب وتضامن المسافرين، وهذا القول الموجَز البليغ يصلح لأن يكون نبراساً ومرشداً في ترتيب أوضاعنا الاقتصادية، ولاسيما في هذه الأيام التي نجد فيها سباقات يومية محمومة لتسجيل أرقام قياسية في الكثيرالكثير من مظاهر الحياة، وإن هناك من بذلوا الكثير من الأموال، كما أن هناك من خاطروا بأنفسهم من أجل الدخول في موسوعة (جينيتس) للأرقام القياسية!

إن العولمة هي حركة استثمار الأقوياء في الضعفاء، وبما أننا نعيش في عصر العولمة، فإن كل الأنظار مشدودة إلى ما يفعله الأقوياء، وإلى ما يؤسس للقوة والجبروت والتسلط؛ فقد أصبح القوي هو أمير الركب، وصار على الضعيف أن يتخلص من ضعفه، أو يتحمل قدراً هائلاً من المعاناة.

ولعلي أقدم في هذه القضية الملاحظات الآتية:

1ـ إن الله ـ تعالى ـ أرسل الرسل، وأنزل الكتب لهداية الخلق، وإشاعة معنيين مهمين، هما الرحمة والعدل، ولهذا فإنه يمكن للمنجزات الحضارية أن تستمر طويلاً إذا قامت على هذين المعنيين العظيمين، وإن حلول القوة في موضع الرحمة، والظلم في موضع العدل من أشد ما يعجِّل بحصول التدهور، والدخول في نفق الانحطاط.

2ـ حين نركِّز على إبراز ثروات (المليارديرات) والأبراج الشاهقة والمصانع العملاقة، فإننا نولِّد مشاعر ومفاهيم زائفة حول التقدم والتحضر، مع أنني أسلِّم بأن لهذه الأشياء دلالاتها الخاصة المعبرة عن التحرك العمراني والصناعي، لكن الدفع بالإنجازات الكبرى إلى سطح الوعي يخفي تحته شيئاً سيئاً للغاية، هو إسدال الستار على الكثير من أشكال البؤس الإنساني؛ بسبب فقد العدالة، وتكافؤ الفرص، واختلال خطط التنمية، وتدهور التعليم...

ومن هنا فإن المقياس الحقيقي للتحضر والتمدن هو ما نحرزه من نجاح على صعيد تحجيم مؤشرات الضعف في الأمة، وهي كثيرة، من أهمها:

الجهل، والفقر، والمرض، والظلم والاستبداد، والإحباط، والانحراف السلوكي، والانكفاء على الذات.. إن علينا ألاّ نتحدث عن أعداد العاملين في المصانع، وإنما عن التقدم في تقليل الباطلين عن العمل، وألاّ نتحدث عن أعداد الذين حصلوا على جائزة نوبل، وإنما عما تمّ إنجازه على صعيد محو الأمية، وألاّ نتحدث عن عدد الأبراج في مدننا الكبرى، وإنما عن عدد الذين نقلناهم من (مدن الصفيح) لينعموا بحياة كريمة ومطمئنة..

حين نفعل هذا فإن الضعيف يكون فعلاً هو أميرَ الركب.

3ـ من الأمور البالغة السوء أن يكون (20%) من المجتمع قادرين على شراء كل شيء، وأن يكون (70% ) منه غير قادرين على الحصول على الضروريات! إن هذه الوضعية تُشيع العديد من ألوان الفساد في حياتنا الاجتماعية؛ إذ يصبح من المألوف أن ينحرف كثير من الناس بسبب الترف، وينحرف كثيرون آخرون بسبب الفقر والحاجة!

ومع أن من المهم الإبقاء على حرية الكسب، وعلى أن يقطف المرء ثمار جهده، إلاّ أن من المهم جداً أن يكون لدينا نظم صارمة وواضحة تساعد على تقليل الفوارق الطبقية، وإن غياب تلك النظم أدّى إلى أن نجد في المدينة الواحدة مَن دخلُه ثلاثون ألف دولار، ومن دخلُه ثلاثمائة دولار، فكيف يمكن لأولئك وهؤلاء أن يشكِّلوا معاً مجتمعاً متلاحماً متراحماً، يحصل على فرص واحدة، ويسعى إلى تحقيق أهداف موحدة؟ إن اليابان تقدِّم نموذجاً في هذا الشأن؛ إذ إن الفارق بين مرتَّبات المدراء والعاملين في الشركة  الواحدة هو في حدود تسعة أضعاف، أي أقل من (10%) من الفوارق الموجودة في كثير من شركاتنا ومؤسساتنا!

أعتقد أن إصلاح هذا الخلل وإنعاش أوضاع الفئات الأشد بؤساً يتطلب عدداً من الإجراءات الصارمة:

أ ـ تحديد حدٍ أدنى للأجور حتى لا يستغلَّ الغنيُّ الفقير.

ب ـ تحديد حدٍ أعلى لرواتب كبار الموظفين وتحديد حجم المكافآت التي تمنحهم إياها مؤسساتهم وشركاتهم.

ج ـ التشديد على أهمية إفصاح كبار الموظفين عن حجم ثرواتهم عند التعيين، وإلزام كل من يريد شراء منزل أو سيارة أو أي شيء آخر قيِّم بالإفصاح عن مصادر المال الذي يريد دفعه لذلك.

د ـ تنشيط العمل التطوعي والخيري من أجل مساعدة العناصر التي تعيش في ظروف صعبة وقاهرة؛ فالعمل الخيري يشكِّل دائماً استدراكاً على قصور النُّظُم، كما يشكل كرَّة أخرى على طريق العدالة الاجتماعية.

إن جعل الضعيف أميراً للركب قادر على تغيير حياتنا المدنية، وإضفاء مسحة جديدة على علاقاتنا الاجتماعية، وعلى رؤيتنا لمفهوم التضامن الوطني.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - لا فض فوك يا شيخنا مساءً 05:23:00 2010/05/06

    يعني إذا كان في الركب امرأة فهي الأميرة!!! جميل جدا.

  2. 2 - أم عز الدين مساءً 08:21:00 2010/05/06

    جزاك الله خيرا لفت أنظارنا وقلوبنا للرحمة والعدل

  3. 3 - معاذ ًصباحا 12:44:00 2010/05/07

    جزاك الله خير يا استاذنا استنباط رائع و استغلال موفق لفكرة السير على خطى البطيئ حماك الله و نفع بك

  4. 4 - ناصر الأسمري ًصباحا 05:20:00 2010/05/07

    نظرة حكيمة وثاقبة وأيضاً يا دكتور من الممكن تطبيقها على المؤسسات والمنشآت الصغيرة التي لا يمكن أن تحصل على أدنى مقومات الدعم والحوافز في دولنا حيث أن احصائية مؤسسة النقد السعودي تشير إلى أن 90% من إجمالي القروض البنكية تذهب إلى 1% من العملاء (وهم كبار الشركات ورجال الأعمال) وقد سلمت اليابان مؤخراً المملكة العربية السعودية وثيقة تحتوي على توصيات استراتيجية لتطوير المنشآت المتوسطة والصغيرةوالتي أكدوا أن هذا النوع من المنشآت ونهوضه كان السبب الرئيسي في نهوض اليابان!!

  5. 5 - هود مساءً 07:53:00 2010/05/07

    جزاك الله خيرا يا أستاذ عبد الكريم

  6. 6 - نوح ًصباحا 08:10:00 2010/05/08

    بارك الله فيك يا دكتور عبد الكريم كلام يكتب بمداد الذهب وأبقاك ذخرا للإسلام والمسلمين

  7. 7 - بنت المؤمنين ًصباحا 10:04:00 2010/05/08

    بالنسبه للتعليق الخاص بالمراة والركب فالاخ اذا كان يمزح ؟؟؟ فهذا غير واضح وغير مقيول في حال وضوحه وماذا يقصد ب اذا كان في الركب امراه؟؟؟؟؟ واي ركب هذا الذي ليس فيه امراه؟؟ ومذا يقصد بجميل جدا؟؟؟؟ سخريه ام تهكم ام ماذا غير موفق في التعليق هداك الله اما بالنسبه للدكتور بكار اسقاطات رائعه سدد الله خطاك

  8. 8 - ايمن زكريا ًصباحا 10:17:00 2010/05/08

    يا بنت المؤمنين ما تشغلي نفسك بهيك تعليقات سخيفة

  9. 9 - أبو عبد الله ًصباحا 11:14:00 2010/05/08

    عمق في التفكير والتخطيط ،،، ولكن ..... أنت تحفر في ماء يا دكتور!! فالبلاد العربية وعلى الأخص مملكتنا الحبيبة غارقة في الفروقات والطبقية الاجتماعية،، ولك التحية والشكر

  10. 10 - zoulikha مساءً 12:26:00 2010/05/08

    السلام عليكم حفظكم الله على هذه الافكار التى لا يفهمها الا الذين احسوا بصدقها حبذا لو يسمعها من يتنافس على الصوامع والابراج وعلى من يرفع اكثر وهي تبنى بايدى الاجانب فلا يستغلها لا مهندس عربي ولا عامل فقير وانما هي تمسح بطالة وافلاس صناع الاسلحة التى قد تحطم تلك المشيدات كما حطمت ارض المعراج والقدس اولى القبلتين وثالث الحرمين وابادت الشعوب العربية ولا زالت... قد تعمى القلوب التى في الصدور فتصرف اموال الشعوب فيما لا يعود عليها بالخير. zoulikha

  11. 11 - "أميرة الركب" مساءً 02:43:00 2010/05/08

    كنت مرة أتجول مع إحدى قريباتي وكان الجو حارا وكانت حاملا لأول مرة في منتصف الحمل، وبحكم تجربتي كنت أعرف حاجياتها و هشاشتها في هذه المرحلة. ولاحظت أن زوجها لا يكترث لها كثيرا، فاقترحت أن نستريح قليلا تحت الظل فرحبت بالفكرة، وسألتها إن كان معها ماء فأجابت بالنفي، فطلبت من زوجها أن يحضر لها ماء، فكان ذلك. شربت ثم قامت قائلة يمكننا أن نستمر لا أحب أن أثقل عليكم. فالتفت إليها قائلا: اسمعي أنت اليوم أميرة الركب، (ولم أكن أعرف يومها هذه العبارة إلا أن أكون قد سمعتها يوما ثم نسيتها واستقرت في أعماق اللاشعور) نأتمر بأمرك ونسير أو نتوقف حسب رغبتك، لا أحد هنا يمكنه أن يخالفك أو يعترض عليك. فأجابت: لكن فلانا ليس هذا رأيه، هو يقول إنه يمشي على قدره وأن علي أنا أن أدركه. فأجبت بأن القواعد اليوم تغيرت. فسألت إن كان هناك حديث أو آية في هذا المعنى. قلت هناك أثرا: سيروا على قدر ضعفاءكم. وهو حديث لم يصح، لكن معناه جيد ولذلك يسمى أثرا. فلما قرات هذا المقال ووجدت الأثر الثاني أعجبني ذلك، فكان تعليقي الأول، وفيه أحببت أن أنبه الناس لأمر يستكبرون أو يخجلون من الإلتفات إليه إما عن جهل أو عن غلظة وقسوة وجفاء أو عن عجز وخوف وجبن أو عن حمق وغباء. يقول الله تعالى: "فما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان" إنما تقاس درجة تحضر مجتمع ما وإسلاميته بمكانة المرأة فيه وكرامتها على أهلها. فأما إذا كانت مجرد عورة يستحى من ذكرها ومن ظهورها وتسكت حين تتكلم ويسفه حلمها وينتقص من رأيها ولا يعتبر به فهذا مجتمع جاهلي خالص لا حظ لم من حضارة ولا من إسلام إلا القشور الزائفة. رغم أنف من ترى نفسها سيدة وسائر النساء خدم لها يحسسنها بأن لها كرامة ولها عزة حيث لا كرامة ولا عزة. قد ينقسم مجتمع ما في مرحلة ما إلى قسمين: إما ذكر سادي أو أنثى مازوشية. هذا مجتمع شاذ يجب أن ينته لشذوذه ويسعى في إصلاحه العقلاء.

  12. 12 - ام محمد مساءً 05:29:00 2010/05/08

    الاخوة الافاضل يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : المؤمن القوي خير واحب الى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير. فالقوة مطلب ديني وايضا مطلب شخصي والقول الضعيف امير الركب اي احتياجات الضعيف تتحكم في عطاءات القوي . وتصور نفسك في موضع القوة هل تستطيع ان تسير بسير الضعفاء؟؟ ام انك تنهض باحوالهم ليسايروك في سرعتك ؟؟

  13. 13 - أبوبندر ًصباحا 12:07:00 2010/07/26

    .. تشخيص جميل بآ دكتور .. .. ولكن الحلول مثالية ..!

  14. 14 - مريض والله يشفيني ،، مساءً 09:29:00 2012/03/13

    ادعولي اني اتشافى ،، : $

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف