آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

مائة عام علي سايكس بيكو سايكس بيكو – التداعيات والآثار

الاربعاء 16 صفر 1438 الموافق 16 نوفمبر 2016
مائة عام علي سايكس بيكو    سايكس بيكو – التداعيات والآثار
 

 

 

إتفاقية سايكس بيكو هي إتفاقية تم توقيعها عام 1916 م بين كل من فرنسا وبريطانيا  " المملكة المتحدة " بمصادقة  من الامبراطورية  الروسية علي اقتسام  منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا لتحقيق مناطق النفوذ في غرب آسيا ، وقد تم  التوصل إلي هذه الاتفاقية بين مفاوضات وتبادل وثائق تفاهم بين الدبلوماسي الفرنسي جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس بموافقة روسيا القيصرية وقد تم الكشف عن هذه التفاهمات بعد سقوط الامبراطورية الروسية القيصرية ووصول الشيوعيين الروس  بقيادة فيلاديمير لينين  إلي الحكم عام 1917 وبموجب هذه الاتفاقية تم تقسيم منطقة الهلال الخصيب بين بريطانيا وفرنسا ، فحصلت فرنسا  علي سوريا ولبنان ، أما ريطانيا فحصلت علي المنطقة الواقعة بين الخليج العربي ومناطق نفوذ فرنسا في سوريا ، كما تقرر أن تكون فلسطين تحت إدارة دولية مع منح بريطانيا مينائي حيفا وعكا .

وقد أقرت عصبة الأمم هذه التفاهمات في عام 1922 م وقد تم تطوير هذه الإتفاقية في معاهدة لوزان عام 1923 م فتم إعطاء تركيا بعض مناطق شمال سوريا مثل لواء الاسكندرونة .

وهكذا نشأ وضع سياسي وجغرافي يمكن تلخيصه بأنه تكريس لتجزئة بلاد الشام وتقسيمها  بين كل من فرنسا وبريطانيا وتركيا فتخضع فلسطين والاردن لبريطانيا وتخضع سوريا ولبنان لفرنسا ، وتخضع شمال سوريا لتركيا ، علي أن يكون العراق من نصيب بريطانيا ونتيجة لهذه الأعمال انتهي الأمر بضياع  فلسطين وتنازلت بريطانيا ليهود الصهاينة عنها  عام 1948 جيث أنهت الانتداب  وتم إعلان قيام دولة اسرائيل في ذلك العام .

وبنظرة سريعة علي إتفاقية سايكس بيكو ، فإن هذه الاتفاقية قد كرست التقسيم والتجزئة في دول المشرق العربي وتسليم فلسطين  إلي الكيان الصهيوني تحت اسم دولة اسرائيل التي أعترفت بها الأمم المتحدة ومعظم دول العالم بما فيها دول إسلامية في ذلك الوقت مثل تركيا وبذلك يكون قد تم إقامة كيان يمنع الاتصال الجغرافي والسياسي والاقتصادي بين الدول العربية شرقا وغربا ، وأصبحت اسرائيل حاملة طائرات كبري لصالح الولايات المتحدة الأمريكية س التي ورثت نفوذ القوي الاستعمارية الغربية الأوروبية وأصبحت بديلها ، وهذا بالطبع جزء من الحرب  الصليبية بين الحضارة الأوروبية والحضارة الإسلامية الذي لم ينقطع يوما  منذ غزوة تبوك وسرية مؤتة ودومة الجندل وبعث أسامة في حياة الرسول محمد صلي الله عليه وسلم ، وحتي الان  ثم حرب الألف عام في المغرب العربي والأندلس ثم الإستعمار  فالصهيونية فالغزو الأمريكي للعراق وأفغناستان والصومال . وهي الحرب التي تفسر كل معادلات الصراع العسكري والسياسي والاقتصادي والثقافي في عالم اليوم  الذي أصبح قرية صغيرة  وساد فيها نمط الإتصالات الفضائية وغير الفضائية ، والتي تشكل كلها  أدوات حديثة لإدارة هذا الصراع لا أكثر ولا أقل ، ومازال المضمون  واحدا  وهو منع وحدة العرب أو المسلمين ، وتمزيق وتفسيخ الدول العربية والإسلامية ، نهب ثروات شعوبنا  ومنع العرب والمسلمين من النهضة علي الأساس الإسلامي ولا حتي علي الإساس غير الإسلامي ، فالغرب لا يريد لنا النهضة  لا علي الأساس الإسلامي ولا علي غير الأساس الإسلامي ، فحتي لو قامت دولة وطنية معادية للهوية الإسلامية وحاولت أن تنهض بسكانها العرب والمسلمين  - وهذا فرض جدلي غير ممكن – فلن يسمح لها بذلك ، خوفا أن تكون هذه النهضة  مقدمة لما يريده ولا يرغبه الغرب في المستقبل لسكان هذه المنطقة  - وحتي لو كانت هذه الدول تعمل لصالح أمريكا والغرب ومتحالفة معهم فلن يكون هذا مبررا لها أن تفلت من المؤامرات  الأمريكية والغربية والصهيونية لمنع أي تقدم  سياسي أو اقتصادي أو إجتماعي لسكان هذه المنطقة ولدينا الكثير من التجارب الحديثة في هذا الصدد  ، " تجربة محمد علي في مصر " ، وتجربة صدام حسين في العراق ونماذج أخري كثيرة .

سايكس بيكو تفاهمات لوراثة مناطق نفوذ الدولة العثمانية في شرق المتوسط ، ولكنها  مجرد نموذج ثم تطبيقه في جميع مناطق العالم الأسيوي  والأفريقي بهدف تقسيم مناطق النفوذ بين القوي الإستعمارية أو خلق مشاكل مستمرة ودائمة بين الدول علي الحدود والنفوذ القبائلي والعشائري والمذهبي والديني ...الخ  ، بهدف استمرار الصراع وإدامة ذلك في المنطقة من العالم التي تمثل جذرثقافياوحضاريا مختلفا ، يمكنه أن يوحد شعوب هذه المنطقة ، ويمكنه أن يصبح ايديولوجية للفقراء والمستضعفين في العالم كله لمواجهة الرأسمالية في الإسلام مثلا ذو خطاب عالمي ، وهو منحاز للفقراء والمستضعفين وغير عنصري ، ومن ثم فإن إسقاط الرأسمالية ، وبناء نظام إقتصادي  عالمي عادل ، لن يكون إلا بإستخدام  جذر ثقافي حضاري  غير عنصري ومنحاز للفقراء  وعالمي وهو الإسلام ، بعد أن فشلت محاولات مناهضة الرأسمالية عن طريق الشيوعية أو لاهوت التحرير المسيحي ، لأن الشيوعية بكل درجاتها ولاهوت التحرير المسيحي بكل تجلياته شيئان من داخل النظرية الحضارية الغربية وجزء منها ويحمل نفس سماتها الحضارية ( العنف – القهر – العنصرية ) وبالتالي لن ينجح في مواجهة الرأسمالية .

عودة سايكس بيكو وأضرابها من اتفاقيات الحدود ، التي زرعت شقاقا وصراعا في دول أفريقيا مازالت آثارها قائمة حتي اليوم ، فكان يتم رسم الحدود بالقلم والمسطرة والبرجل ، بصرف النظر عن وجود قبائل واعراق علي جانبي الحدود ، الأمر الذي فتح مشاكل بلا حدود وصراعات لا تنتهي .

انظر مثلا  مشاكل الحدود بين اليمن والسعودية  علي مناطق عسير وجيزان ونجران ، ومشاكل الحدود بين السعودية والعراق ، والسعودية وقطر ، ثم العراق والكويت ، ثم مشاكل الحدود بين المغرب والجزائر علي منطقة تندوف  ، ثم  مشاكل الحدود بين اليمن وعمان ومشاكل الحدود بين سوريا وتركيا  علي إقليم الاسكندرونة ، والصومال وأثيوبيا حول إقليم أوجادين ، وموريتانيا والسنغال ، والسودان وأثيوبيا وليبيا وتشاد علي اقليم أوزو ، ومصر والسودان علي " حلايب وشلاتين" ، ومصر وليبيا  " واحة جغبوب " ، والسودان شمالا وجنوبا حول هوية جنوب السودان ، والسودان وتشاد  حول إقليم دارفور،  ومشاكل الصحراء الغربية في المغرب ، والأكراد في إيران والعراق وسوريا وتركيا ...وهذه وغيرها من مشاكل الحدود تسببت في استنزاف أوقات وموارد وصراعات وأحيانا حروب راح ضحيتها مئات الالاف من البشر ، ومليارات الدولارات من الأموال وكلها طرق استعمارية خبيثة ، لاستمرار النزيف المادي والمعنوي  ، لمنع نهضة هذه البلاد ومنع استقرارها .

 

من سايكس بيكو إلي كيري لابروف

وقد ظهر في تسيعينات القرن الماضي ما يسمي بخريطة حدود الدم ، التي نشرتها مجلات أمريكية علي صلة بإجهزة الاستخبارات  الأمريكية والتي لا تكتفي بما تم تفكيكه وتمزيقه من دول العالم الإسلامي والعربي ومنع قيام الوحدة أو التنسيق بينهما بالقوة الخشنة وأحيانا الناعمة  ، بل تبشرنا بخطط تفكيك وتقسيم العراق وسوريا ولبنان والسعودية وايران وتركيا ، بل مصر وليبيا ودول المغرب العربي  ، ولم تخجل حين أطلقت عليها حدود الدم ، وهذه الخريطة الجديدة مرشحة لإحداث طوفان من الدماء لن تتوقف ولابعد عشرات السنين  بعدها ولا قبلها ، لأنها حدود من القبائل والطوائف والمذاهب والأديان ، لن ينجح أحد بسهولة في وقف نزيفها .

 

أخطر من هذا كله أنه بعد ما يسمي بالربيع العربي والذي كان من المفترض منه أنه محاولة لبناء دول ذات إطار لحرية الانسان ووقف الفساد وتحقيق المشاركة  السياسية وإنهاء حكم الفرد ، إلا أنها تحولت في النهاية إلي محاولة مفضوحة من الغرب لاستخدام أوراق ضغط لمزيد من تفسخ وتقسيم الدولة الوطنية الحديثة  التي رغم اعتراضنا عليها إلا أنها أفضل من تحويل كل الدول العربية إلي مناطق نفوذ داخل كل دولة لأعمال البلطجة  والطائفية والحكم المناطقي والعشائري وغير المستقر . وإذا نظرنا إلي استخدام الغرب الوسائل الحديثة  مثل الانترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي والقنوات الفضائية وغيرها  ما يسمي بحروب الجيل الرابع والتي تستهدف تقويض الدول العربية ، بمعني أنه تم تفكيك الخلافة الإسلامية  ثم ضرب فكرة الوحدة العربية والان وبعد حدود سايكس بيكو والدول الوطنية الحديثة التي نشأت علي أساس الفكرة الغربية ، فإن هذه الدول الوطنية الحديثة لم تعد تعجب الغرب الصليبي ، ويراد لها التمزيق والتقسيم ، بمعني أن نتحول إلي أمة تقاتل بعضها البعض علي الاساس الديني والعرقي والطائفي  والمذهبس والمناطقي فلا تقوم لنا قائمة بعدها أبدا .

 

بل إن متابعة ما حدث في الربيع العربي كان حركة نبيلة نجح الغرب في تحويلها إلي  خنجر مسموم ضرب به الدول والجيوش وأطلق عنان النعرات الطائفية والمذهبية  ، لقد تم إضعاف جيوش وإضعاف دول في سوريا واليمن وليبيا مثلا ومحاولة مستمرة لإضعاف مصر ، بحيث تكون  مقدمة لتقسيم كل الدول العربية والإسلامية فلا يقف أحد في وجه هذا المخطط

لا دول وطنية ولا جيوش وطنية ولا مؤسسات ولا أحزاب مهما كان الرأس في تلك الدول والمؤسسات والجيوش والأحزاب ، والأغرب والأعجب والمثير للدهشة أن هناك تيارات وأحزاب اسلامية ارتضت لنفسها التحالف مع أمريكا بحجة القضاء علي الاستبداد وهو خيانة بكل معني الكلمة، ولعلنا نذكر الان ما قاله المعتمد بن عباد الشاعر الاندلسي  المعروف  الذي علق علي حكام البعش من أصل الأندلس المسلمين  بالإتصال بالصليبيين في أسبانيا والبرتغال  في ذلك الوقت وتحريضهم علي الهجوم علي آل الأحمر بالاندلس  بدعوي التخلص من ظلمهم ، قال المعتمد بن عباد :

"لأن أرعي الغنم لدي ابن تاشفين في صحراء المغرب خير لي من أن أرعي الخنازير لدي المسيحيين الاسبان والبرتغاليين "

وقد استخدم الصليبيون هؤلاء دعاة التدخل ضد بني الأحمر بحجة الظلم والاستبداد في اسقاط الملك العربي الإسلامي في الإندلس وقتلوا المسلمين جميعا من كان منهم مع بني الأحمر ومن كان منهم حليفا للصليبيين بل ربما بدءوا بحلفائهم المسلمين لأن من يخون وطنه ودينه وشعبه  بحجة أن الحكام ظالمين ، هم عادة أول من يدفع ثمن الخيانة  ويلقي به في الزبالة كفأر ميت لا قيمة له .

وهكذا فنحن أمام خريطة جديدة يمكن أن نطلق عليها خريطة لافروف ، ولن يوقف هذه المؤامرة إلا وحدة الصف وتقديم مواجهة أعداء الخارج علي  مواجهة المختلفين معنا في الداخل ، وإلا فالبديل هو دمارنا جميعا ونهاية مأساوية لنا ، وضياع المستقبل بالكامل .

 

 

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف