آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

دولة الإسلام وحريّة الآخر (5/7)

الخميس 04 صفر 1433 الموافق 29 ديسمبر 2011
دولة الإسلام وحريّة الآخر (5/7)
 

سابعًا: مقصد السّلام

السّلام مقصد من مقاصد الإسلام ومعنًى من أمّهات معاني القرآن، وأصل من أصوله بصريح قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ{15} يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السّلام وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ). [المائدة:15-16)، فقوله تعالى: (يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السّلام). دلالة صريحة قرآنيّة على أنّ السّلام مقصد من مقاصد الإسلام، وأصل من أصوله، حيث وصف الله كتابه المبين بأنّه يهدي إلى سبل السّلام؛ أيْ يدلّ عليها، فجعلت الآية من الهداية وسيلة، ومن السّلام مقصدًا وغاية، ويتعزّز هذا الفهم بمنهجيّة تفسير النّصّ بالنّصّ بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ). [البقرة:208].

فقد أوضحت هذه الآية أنّ المؤمنين الذين يتّبعون هدي السّماء يدخلون في السّلم كافّة أيْ الإسلام.

ويتعزّز هذا الفهم بأنّ الإسلام دين السّلام لا القتال بالآيات القرآنية التي تنهى عن قتال من سالم المسلمين، ولم يبدأهم بالقتال بقوله تعالى: (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً).[النساء:90]، فقوله تعالى: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) تحمل نفس مضمون قوله تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ). [البقرة:190].

ويتعزّز هذا الفهم بمنهجيّة تفسير القرآن بالقرآن، وتتواتر الأدلّة القرآنيّة بالآيات التي لا تبيح القتال إلاّ لمن يرفضون السّلام، ويبدأون بقتال المسلمين بقوله تعالى: (فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا). [النساء:91]، أمّا النّهي القرآنيّ من اتّباع خطوات الشّيطان في الآية السالفة: (وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ). فلكي نفهم المقصود منها بمنهجيّة تفسير القرآن بالقرآن فنقول بأن الله أمر المسلمين في التعامل مع أهل الكتاب بمجادلتهم بالتي هي أحسن، باستثناء من ظلم منهم في قوله تعالى: (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ). [العنكبوت:46]، ولو حاولنا معرفة علّة الأمر بالمجادلة بالتي هي أحسن لا بالتي هي أسوأ لوجدنا الجواب في قوله تعالى: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا). [الإسراء:53]. أي أن الشيطان مهمته إيقاع العدوان والبغضاء بين أهل الأديان عبر تحريضهم على القول بالتي هي أسوأ لإشعال الفتن والحروب، وكما يُقال الحرب أوَّلُها كلام، ومن هنا جاء التّوجيه القرآني بلغة آمرة قويّة بالمجادلة بالتي هي أحسن (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

وللتأكيد على أهميّة السّلام أمر القرآن الرسول -صلّى الله عليه سلّم- بأن يجنح للسّلام لكلّ من جنح إلى السّلام في قوله تعالى: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). [الأنفال:61]، حتى ولو كان التّظاهر بالسّلام من باب المكر والخديعة، وهذا أكبر دليل على حبّ الإسلام للسّلام (وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ). [الأنفال:62].

ثامنًا: القتال بهدف ضمان حرّية المعتقد والتّبليغ

كما شرع الإسلام القتال لردّ الاعتداء شرع أيضًا القتال لضمان حرّية المعتقد والتّبليغ لا لإكراه النّاس على التّخلي عن عقائدهم، يقول الله تعالى في سورة التوبة: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ). [التوبة: 29].

هذه الآية وردت في سورة التّوبة وفي نفس السّياق لآيات القتال التي زعم بعض العلماء أنّ فيها آية السّيف، بل إنّ بعض العلماء اعتبر هذه الآية نفسها هي آية السّيف، وإذا تدبّرنا معنى هذه الآية فسنجد أنّها على النّقيض من الفهم التّقليدي الذي اعتبر آيات القتال في سورة التوبة قد نسخت آيات حرّية المعتقد (لا إكراه في الدين) وكلّ آيات القتال السّابقة، وأمرت بالقتال ابتداء لكلّ الذين لا يدينون بدين الحقّ من أهل الكتاب حتى يسلموا، لكنّنا إذا تأمّلنا مضمون هذه الآية فلا نجد فيها أمرًا بالقتال لأهل الكتاب حتى يسلموا، ويتخلّوا عن معتقداتهم، وإنّما أمر بالقتال حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون لقوله تعالى: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)، فعِلّة القتال هنا هي تسليم الجزية، وعلّة الجزية الصّغار والذلّ ولو كانت هذه الآية وما سبقها الآمرة بالقتال ناسخة لحرّية المعتقد وقوله تعالى: (لا إكراه في الدين) لاقتضى ذلك أن تقول الآية (حتى يسلموا)، وليس (حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)، وإذا كان الأمر هكذا أيْ أنّ الآية أصدرت حكم القتال على علّة إعطاء الجزية وأيديهم صاغرة، فيمكن عندها أن يسأل ذو اللّبّ والعقل: لماذا جعلت الآية علّة القتال الجزية لا الإسلام، ولوجد الجواب أنّ الإسلام قد قرّر حرّية المعتقد (لا إكراه في الدين)، ولأنّه كذلك لم يجعل علّة القتال الإسلام، وإنما الجزية لضمان حرّية المعتقد، وحرّية البلاغ؛ فالأمر بالقتال هنا هو للأنظمة السياسيّة الطّاغوتيّة التي تمنع حرّية المعتقد والبلاغ، فتخيير هذه الأنظمة الطّاغوتيّة بين القتال أو السّيف الهدف منه إذلالها (عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) لتعلم شعوبهم الواقعة تحت الطّاغوت والإكراه أنّ ميزان القوى عند المسلمين فإذا أرادوا الإسلام، فليس هناك ما يخيفهم من أنظمتهم الطّاغوتيّة، وهو يرونها تعطي الجزية للدّولة الإسلاميّة خشية الحرب، وإن لم يقتنعوا بالإسلام، فالمسلمون لم يأمروا شعوب تلك الأنظمة بالإسلام.

وعلى هذا الأساس فحجر الزّاوية في الآية ليس الجزية، وإنما في قوله تعالى: (عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)؛ أيْ إذلال الأنظمة الطّاغوتيّة المستبدّة أمام شعوبها حتى لا تتردّد في إعلان إسلامها، إذا ما اقتنعت خوفًا من إكراه وبطش أنظمتها السّياسيّة الطّاغوتيّة.

وبهذا يتّضح لنا بجلاء أنّ علّة القتال في هذه الآية هو ضمان حرّية المعتقد والتبليغ لا إكراه الآخرين، ويتعزّز هذا الفهم إلى درجة القطع بالسّنة العمليّة التي هي أقوى من السّنة القوليّة بما فعله الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- والصّحابة رضوان الله عليهم في الفتوحات الإسلاميّة أخذوا الجزية، ولم يكرهوا أحدًا على اعتناق الإسلام، والدّليل العملي هو بقاء اليهود والنّصارى محترمة عقائدهم، محفوظة دور عبادتهم في كنف الدّولة الإسلاميّة حتى اليوم، بل إنّ حريّة المعتقد تجاوزت أهل الكتاب إلى آخرين، فعندما سُئل عمر بن الخطاب عن مجوس البحرين، وكيف يتمّ التّعامل معهم قال لهم: سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب.

وبهذا نخلص إلى أنّ الفهم الموضوعي الكلّي للقرآن يؤكد حرّية المعتقد وحرّية البلاغ، كما أنّ التّطبيق العمليّ من الرّسول والصّحابة -رضوان الله عليهم- يؤكّد فهمنا النّظريّ للقرآن، فلم يقاتلوا أهل الكتاب، ولا غيرهم حتى يسلموا، وإنّما لضمان حرّية البلاغ والدّليل العمليّ هو بقاء أهل الكتاب على أديانهم في كنف الدّولة الإسلاميّة حتى اليوم.

وإذا فهمنا أنّ علّة الجزية هي إذلال الأنظمة الطّاغوتيّة لضمان حرّية البلاغ والمعتقد فإنّ الواجب هو إسقاط الجزية عن أهل الكتاب الذين يعيشون في كنف الدّولة الإسلاميّة، ويتعزّز هذا الفهم بحديث الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- عن المسيح عند ظهوره آخر الزّمان بأنّه سيضع الجزية، ولا يمكن فهم هذا الحديث إلاّ في ضوء هذه العلّة، لأنّ العلّة تدور مع الحكم وجودًا وعدمًا، كما يقول علماء الأصول.

|1|2|3|4|5|6|7|

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف