آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

العثور على رهان

الاثنين 29 ربيع الأول 1431 الموافق 15 مارس 2010
العثور على رهان
 

أشرت في المقال الماضي إلى أن من أسوأ ما يُقعد الإنسان عن أن يكون منتجاً وفعّالاً فقده للتركيز على شيء يعتقد أنه من خلاله يستطيع المساهمة في رفعة شأن بلده وأمته, واليوم سأتحدث عما ينبغي فعله لاستعادة ذلك المفقود أو العثور عليه إذا لم يسبق للقارئ امتلاك أي رهان, وذلك عبر المفردات التالية:

1- إن أحد الأمور الأساسية التي تميّز الإنسان عن الحيوان ما فطره الله – تعالى- عليه من تجاوز الحاضر والتطلّع إلى المستقبل، واتخاذه محوراً لتحقيق الإنجازات، والخلاص من كثير من أنواع التعاسة، لكن المستقبل يظل شيئاً لا معنى له إذا لم نكن نعرف بالضبط ما الذي علينا أن ننجزه فيه، وفي هذا السياق يمكن أن أقول: إن الإنسان لا يعثر على مجال لما ينبغي أن يركِّز عليه وعلى مفاصله لأحد سببين:

الأول: عدم معرفة الإنسان بما لديه من مواهب ومهارات وإمكانات، وبما أتيح له من فرص عظيمة، وأود أن أقول هنا: إن هذا القصور شبه عام لدى الناس، وإن معرفتنا بما أشرت إليه ستظل ناقصة ومحدودة.

الثاني: عدم بذل الجهد المطلوب في توظيف المواهب و الطاقات المتوفرة في الحقل المناسب، وهذه أيضاً مشكلة كبرى؛ إذ إن الذين يدخلون الاختبارات التي تكشف عن ميولهم واستعداداتهم المهنية قليلون للغاية، وأقل منهم أولئك الذين يجربون أكثر من مجال كي يصلوا إلى المجال الأليق بهم.

2ـ بعض الناس يكون لديهم رهان محدد؛ فهم يعرفون ماذا يريدون، ويعرفون كيف يصلون إليه، وربما عملوا عليه سنوات عدة من حياتهم، لكن طرأت على حياتهم تغييرات كبيرة، جعلتهم يفقدون الاهتمام برهاناتهم أو القدرة على العمل من أجلها في الظروف الجديدة، ومن أهم تلك التغييرات الغربة والانتقال من بلد إلى بلد والمرض والفقر، وأحياناً الثراء الفاحش، وفي مرات كثيرة يكون الإخفاق الذريع هو السبب في ضياع الرهان.

3ـ رهانات المثقفين والدعاة وكل الغيورين على هذه الأمة  نوعان:

رهان فكري تنظيري: إذ إن من المهم أن يكون لدى كل من يشعر أنه يملك مشروعاً أو رؤية أو اجتهاداً يتعلق بمستقبل الأمة شيء يعتقد أن الأمة تتقدم إذا هي بدأت به أو جعلته بين اهتماماتها الأساسية، وهذا لا يتوفر في العادة عن طريق التفكير المجرد أو المناقشات والمناظرات الساخنة، بل يحتاج إلى ممارسة الكتابة؛ إذ لا فكر من غير إنتاج فكري.

رهان عملي تنفيذي: إذ إن التنظير وحده من غير عدد هائل من الجنود التنفيذيين الذين يحوّلون الأفكار والرؤى إلى خطط ومشروعات عملية.. يكون عبارة عن سفسطة فارغة، لا تسمن، ولا تغني من جوع. وعلينا أن نقول هنا: إن الواحد منا لا يستطيع خدمة مستقبل الأمة على نحو جيد إلاّ إذا عرف أولوياتها في المرحلة القادمة، وهذا يعني أن يُلمّ التنفيذيون برؤى المنظرين؛ لتكون عطاءاتهم في السياق الأكثر أهمية، وهذا يعني أن يعملوا وفق النظرية القائلة: (فكِّر عالمياً، وتصرف محلياً)، ومن المؤسف أن هذه النقطة لا تلقى إلاّ القليل من الاهتمام والمتابعة .

4ـ قد يتساءل بعض الشباب المهتم عن الأمور المساعدة على اختيار الرهان الجيد على المستوى العملي، وللإجابة عن هذا التساؤل أقول:

أ ـ الوضعية المنتجة والجيدة لأي واحد منا وفي أي مجال من المجالات هي الوضعية التي نمتلك ونحن نعمل فيها كلاً من الرغبة القوية والقدرة العالية؛ فإذا وجد المرء مجالاً يمتلك فيه هذين العنصرين فليلزمه، وليطوّر نفسه فيه.

ب ـ الإدارة  والاقتصاد والإعلام والتعليم مجالات حية ومزدهرة، والكفاءات الممتازة فيها ليست كثيرة، ويمكن للإنسان أن يقدم فيها للأمة عطاءات لا تُقدّر بثمن.

3 ـ حاجات الأمة هائلة، والواحد منا مهما كان فذّاً، فإنه لا يستطيع تغيير ملامح الحياة، ولكن يستطيع أن يساهم في ذلك، ولهذا فلا يصحّ أن نزهو بما نقدم، ولا أن نستعجل النتائج.

4ـ ليس من الصواب أن نعلق الآمال على ما يمكن أن ينجزه الآخرون حتى لا نقع  في مصيدة الأوهام والادّعاءات الكاذبة. الرهان يجب أن يكون على ما نستطيع نحن القيام به فحسب.

5 ـ إذا اكتشفنا بعد مدة أن ما نركز عليه ليس هو الأفضل والأنفع، فعلينا أن نتحوّل إلى غيره من دون أي شعور بالغضاضة.

6 ـ الإخلاص يجعل الواحد منا ينتفع بعمله، والإتقان يجعل العمل مفيداً للأمة، والجمع بينهما هو المطلوب في كل حين.

العيش من غير رهان هو عيش من غير معنى ومن غير ثمرة، ولا يليق بالعظماء إلاّ أن يعملوا وهم في قمة اليقظة وقمة الوعي والفاعلية، ومن كان يظن أنه منهم فليعمل بعملهم.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - سعد مساءً 07:11:00 2010/03/15

    جزاك الله خيرا،فكل مقال منك يادكتور يسد حاجة في نفوسنا

  2. 2 - حنصالى بن تاشفين مساءً 11:29:00 2010/03/15

    مقال رائع دكتورنا وكالعادة ..الا ان هناك نقطة واسمحلى اسمحلى فى العادة عند ملاحضة اى نقطة لاتعجبنى من حيائنا لانرد بالتعليق واى تعليق لاتجد فيه اسمى من بداية نشاطى للموقع الى يومنا هذا فاعلم ان هناك خلل فى توصيل الفكرة .. اعود للفكرة وللامانة هى صحيحة وهى قاصرة ربما تحتاج للمزيد من التوضيح والشرح .. واقصد نضرية '" التفكير المجرد "' واسميها انا "" التفكير التلقائى "" وهذا طبيعى من انسان له مصطلحاته الخاصة .. فالتفكير المجرد على مقاس فكركم هو من اسمى انواع التفكير ومن اهم انواعه وتعلم ان التحليلات النضرية كلها يواء اجتماعية او اقتصادية او استراتيجية تعتمد اساس على التفكير المجرد بل حتى اللقائات الحوارية المباشرة تعتمد اساس على التفكير التلقائى وليس كالبعض وتعلم فضيلتكم كم منا نحن العرب عند اى خرجات مصيرية تنتج منها قرارات ما مباشرة يقول "لحضة حتى اشاور زوجتى " واعطيك خير دليل حادثة عمرو موسى الامين العام وحادثة اردوقان والرئيس الاسرائيلى .. فاردوقان يملك خاصية التفكير التلقائى وفعل ما يتوجب فعله نابع من وجدانه ومعرفة لنفسه ..اما عمروا موسى وبما انه كحال العرب صناعة خربانه ولا يملك بنية ذاتية لم تكن لديه خاصية التفكير التلقائى وهذا ما يفسر دورانه على نفسه ..وهته السلوكيات طبعا اسبه ما تكون لصفات المجانين .. ما اود الافادة به وهو ان التفكير التلقائى هى حركة اعمال للعقل ضمن اطارات معدة مسبقا ومن اكمال صنع تقنيات النسخ و الطبع فى وجدان الانسان ..فان ايتطاع الفرد من اكتشاف ذاته وفهمها فهما يقينيا و التجوال بها وكانها مكتب للدراسات ملكه هو شخصيا وله القدرة للوصول لاى معلومة تحصل عليها مسبقا والزامها مكانها ضمن الخارطة الذهنية فبامكانه العمل بكل اريحية وتلقائية وبلمح البصر .. وطريقة اعمال الفكر التلقائى قد لا تاخذ اجزاء من الثانية ..وهذه ربما لا نزال نفتقدها والى علومها ..ولعلمكم شخصى من الكارهين لثقافة المسودات وانصح الجيع لتجنبها حتى لا نجعل ايامنا مسودات ..وفى اعتقدى ان الانسان الذى يعتمد على المسودات ولا يعمل بنضرية التفكير التلقائى فسوف يبقى طوال حياته وهو مع المسودات ..مثل الطفل الذى دوما امه من تكتب له الدروس فينشئ على طباع الكسل والخمول تلقائيا .. المهم هو اكتشاف وصناعة الخارطة الذهنية والتمكين من تفعيل البرمجة العصبية ..وبهذا عندما نعمل عقولها بانماط التفكير التلقائى بتفعيل البرمجة وضمن اطر الخارطة الذهنية عندها ليش نخاف ..فالخارطة الذهنية حتما سنثق بها والا فلا نخرج على البشر والبرمجة العصبية معدة مسبقا وايضا يمكن الوثوق بها ..فلا اعتقد ان ثمة خوف .. وتعلم ان بعض دعاتنا وممن نحبهم يخشون الحوارات المباشرة واغلب حواراتهم المباشرة نقول سبحان الله هذا هو الدكتور الفلانى والذى كان يتكسل علينا وينفخ فى عضلاته الفكرية .. موضوع جميل ووالله قطعت كلامى حتى لانفسد المقال وهذا كله بالتفكير التلقائى ..وانصح الاخوة ان يزودونا بمعلومات عنه يا اما نجنن كلنا واما نتطور كلنا

  3. 3 - houari مساءً 04:55:00 2010/03/16

    كيف نفكر في المجتمع الجزائري وأغلب أفراده أكالون للسحت مبعدون ومطردون عن رحمة الله والكل يعلم أن الرشوة من الأمراض الموروثة عن المفسدين في البلاد وإذاهممت بفعل شيئ فالأحسن أن لاتعزم عليه لأن مآله الفشل ما دام الحمار أصبح يقود راكبه.

  4. 4 - اسامة دياربكرلي مساءً 11:08:00 2010/03/16

    جزاكم الله خيراً دكتورنا ونفع بك الأمة، ولكن انا ويمكن الكثير من الأخوان يواجهون مثل مشكلتي هي انني قمت ولأكثر من مرة بوضع جداول ووضع امور يجب ان افعلها ويجب ان أنجزها ولكن اجد نفسي هو انني لم انجز الا القليل مما وضعته اما بسبب التسويف او بسبب وجود ضغوط خارجية ادت بي الى ترك الأمر وعنما أجد نفسي لم احقق أي شيء مما خططت فأصاب بالإحباط والكسل واجلس فترات طويلة حتى أستطيع ان اجدد نشاطي واجدد الثقه بنفسي وبعدها أرجع وأقع في الفخ مررة أخرى ...، فهل لهذه المشكله من حل ^_^ [email protected]

  5. 5 - محمد الشاذلي مساءً 11:20:00 2010/03/16

    عدم معرفة الإنسان بما لديه من مواهب ومهارات وإمكانات، كيف يستطيع الفرد معرقة مالديه من مواهب ومهارات وامكانيات بطريقة عملية مجربة كي يستطيع أن يعرف نفسة في اي المجالات انفع؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

  6. 6 - مر من هنا ًصباحا 11:37:00 2010/03/17

    الأخ houari الوضع خارج الجزائر أسوأ مما تتصور. احمد الله على نعمه ووصي بذلك قومك.

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف