آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

تحية إلى زوجتي..

السبت 16 صفر 1434 الموافق 29 ديسمبر 2012
تحية إلى زوجتي..
د. ناجح إبراهيم
 

يستنكف كثير من الدعاة أن يتحدث عن زوجته، أو أن يذكر كفاحها معه، أو أن يسطر بذلها وعطاءها في خدمة الإسلام أو الأوطان. وهم بذلك يغفلون عن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يذكر دومًا فضل السيدة خديجة -رضي الله عنها- حتى انتفض يومًا غاضبًا من السيدة عائشة -رضي الله عنها- التي غارت من كثرة ترديده لفضل السيدة خديجة -رضي الله عنها- فقالت له: لقد أبدلك الله خيرًا منها، فقال: "لا والله ما أبدلني الله خيرًا منها؛ لقد أعطتني حينما حرمني الناس، وواستني بنفسها ومالها".

إنه الوفاء الكبير، وذكر فضل الزوجة الوفية حتى بعد وفاتها؛ تعليمًا لأجيال الدعاة من بعده صلى الله عليه وسلم.

واليوم أقتدي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- لأذكر وأشكر زوجتي الفاضلة "أم هيثم" على عطائها الفياض، وبذلها وتحملها معي سنوات طويلة في سجني واعتقالي.

إنني أذكر ذلك بمناسبة مرور أكثر من 20 عامًا على زواجنا. لقد عاشت معي زوجتي على الكفاف في فترة سجني واعتقالي، رغم أنها من أسرة كريمة ميسورة قبل اعتقال اثنين من أبنائها، مما أدى إلى قصم ظهرها الاقتصادي والمعنوي.

لقد قبلت زوجتي أن تتزوجني -وأنا في السجن- راضية وراغبة رغم صعوبات حياتي ومشقتها، وقد قالت لي يومها: لقد قبِلتُ أن أتزوجك لأخدمك وأرعاك، وخاصة أن والدتك قد كبرت سنها وبعدت المسافة عليها، ولم تطلب شيئًا ولم تشترط شيئًا.

لقد قدمت أسرة زوجتي كل فتياتها للزواج من قادة ودعاة شهيرين في الجماعة الإسلامية مثل: زوجة الشيخ/عصام دربالة، وزوجة الشيخ/محمد سيد عبد الجواد، وزوجة المهندس/حامد عطا، والزوجتان الأوليان صبرتا سنوات طويلة على سجن واعتقال زوجيهما، وتحملتا ما لا تتحمله الجبال في سنوات طويلة عصيبة.

لقد بذلت زوجتي الكريمة "أم هيثم" معي بذلاً لا يستطيع قلمي أن يعبر عنه، في سنوات طويلة عصيبة من السجن والقهر و"البهدلة" والتفتيشات والتنقلات؛ 14 عامًا كاملة وهي تجري خلفي من سجن إلى سجن فلا تكل ولا تمل.

كانت تعيش في الإسكندرية، فطلبتُ منها أن تنتقل إلى القاهرة -التي لا تحبها- فقبلت ووافقت. كانت تعيش في القاهرة في حي شعبي متواضع، في غرفة وصالة، لا تدخلها الشمس أبدًا، وليست فيها مياه جيدة للشرب، وكان ابني الأكبر "هيثم" يذهب لإحضار المياه النقية من مكان يبعد قرابة نصف كيلو متر، وعمره وقتها لم يجاوز التاسعة.

فلما ضاق صدرها بالقاهرة عادت إلى الإسكندرية لتواجه أهوالاً من نوع آخر؛ كانت تركب قطار الصحافة المعروف بشبابيكه المحطمة، وزحامه المفرِط، مع بطئه الشديد، ليصل إلى القاهرة بعد 5 ساعات.

كانت تخرج من البيت مع شقيقاتها في الثالثة فجرًا، والمطر ينهمر بقوة في الشتاء، والأجساد ترتعد من البرد، يصاحبهن الخوف من السير في شوارع الإسكندرية في مثل هذا الوقت من الليل. حتى إذا وصلن إلى القاهرة ظللن ينتظرن أمام باب السجن حتى الثامنة صباحًا، ليسجلن أسماءهن في كشوف الزيارات، ثم ينتظرن قرابة 5 ساعات حتى يدخلن الزيارة في الواحدة أو الثانية ظهرًا، وأحيانًا في الثالثة أو الرابعة عصرًا. وقد تكون الزيارة عبر الأسلاك، وقد تكون مدتها 5 دقائق أو ربع ساعة في أوقات الشدة، وقد تكون ساعتين أو ثلاث ساعات في أوقات السعة. وقد يُعاملن معاملة سيئة في التفتيش أو الدخول وتمنع أجزاء كبيرة من الزيارة في أوقات الشدة، أو يُعاملن معاملة كريمة في أوقات الرخاء. وقد لا يجدن مكانًا خارج السجن للراحة أو النوم أو الاسترخاء، فينام الأطفال على الأرض أو على أرجل الأمهات، ويَغشَى النعاسُ النساءَ وهن جالسات 5 ساعات خارج السجن. وقد لا يجدن مكانًا يحميهن من حر الشمس أو برد الشتاء، حتى تم بناء استراحة للزوار أمام ليمان طرة، ثم توالى ذلك في السجون الأخرى بعد المبادرة.

ما أشق رحلة الزيارات ذهابًا وإيابًا. وما أكثر ما رُدَّت الأسر خاوية الوفاض بعد رفض السجن للزيارة لسبب أو لآخر.

لقد عاشت زوجتي حياة صعبة، ورغم ذلك لم تضجر من شظف الحياة، ولم تَشْكُ ذلك لأحد، ولم تخبر بذلك أحدًا من أسرتها أو أسرتي، ولم تطلب منهما شيئًا، حتى إنها مرِضت يومًا مرضًا شديدًا، ولم تجد مالاً لتحضر به العلاج، ولم يكن في البيت أي شيء، فباعت خاتمًا ذهبيًّا كان معها؛ لتشتري به العلاج والطعام. وكانت تمر بها أيام لا تستطيع أن تعطي درسًا خصوصيًّا لأبنائها، أو أن تحشو أسنانهم عند طبيب خاص، فتقف بهم في طابور طويل في المستشفيات العامة؛ حيث كل صنوف الذل والهوان.

ولم تخبرني يومًا أنها تحتاج إلى شيء، أو أنها في ضيق أو في كرب؛ حتى لا تضيف إلى همِّ السجن همًّا آخر. كانت دائمًا -حينما تأتي إلى زيارتي- تقول لي: نحن بخير، وكل شيء على ما يرام.

كانت تكتفي بمعاشي من النقابة مع مساعدات من بعض أشقائي الكرام الذين وقفوا إلى جواري، وعلى رأسهم أخي الكريم محمود الذي أكرمه الله بسعة الرزق جزاءً على مساعدته كل مَن اعتُقِل من أشقائنا، فضلاً عن إكرامه الكبير لوالدنا.

كانت حياتنا لا تحتمل الترف، ولكنها كانت سعيدة على كل حال؛ فقد كنا جميعًا راضين عن الله، وراضين عن بعضنا البعض.

كان ابني الأكبر "هيثم" هو العون الأكبر لزوجتي -بعد الله تعالى- في قضاء حاجاتها. وكانت نشأته في هذه الظروف الصعبة صاقلة لشخصيته، صاهرة لها في بوتقة الجد والرجولة، حتى أصبح أكثر من أشقائه صلة للرحم، وفهمًا للحياة، وشعورًا بالمسئولية.

ومن الطريف أن المباحث حققت معه في السجن في يوم من الأيام، وهو صغير السن، نتيجة وشاية رخيصة من "مُخبِرة" لئيمة، ظنت أنه أوصل رسائل بيني وبين الشيخ/عصام دربالة في الزيارة، غافلةً عن أننا أصهار، وأننا في عنبر واحد؛ فما قيمة الرسائل المتبادلة بيننا ونحن نعيش سويًّا؟! ولكن ضابط المباحث كان ذكيًّا ورحيمًا، فأدرك بطلان هذه الوشاية، وصرفهم بعد الزيارة.

إنني أذكر يوم زواجنا، وقد مضي عليه أكثر من عشرين عامًا، وقتها كنا لا نملك من حطام الدنيا شيئًا، وكان الأمل خافتًا في الخروج من السجن، ثم وسَّع الله علينا، ورزقنا من فضله، فأشعر أن كل ما أعطانا الله إياه من شقة جميلة، أو راحة بال، أو عيادة بسيطة في حي شعبي؛ هي جوائز السماء لهذه الزوجة الكريمة، التي كانت تقتفي أثر زوجة سيدنا إسماعيل -عليه السلام- الراضية، التي رضِيَت عن ربها وزوجها وحياتها وبيتها، حينما سألها سيدنا إبراهيم -عليه السلام- عن حياتها وهي لا تعرفه.

فالرضا هو سر الأسرار في الحياة السعيدة؛ فمن رضِيَ فله الرضا، ومن سخِط فله السخط.

فتحية إلى زوجتي الكريمة، وإلى كل زوجة بذلت وأعطت وضحت ورضيت بما قسمه الله لها.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - "أم هيثم"؟! مساءً 01:17:00 2012/12/29

    جزاها الله خيرا وأسبغ عليها نعمه ظاهرة وباطنة في الدنيا والآخرة. لكن لم أفهم لماذا "خديجة"، "عائشة"، "أم هيثم"؟!!

  2. 2 - عبد الله بن مسعود الجزائري ًصباحا 03:03:00 2012/12/30

    يأم هيثم المعلقة هداك الله تعالى لماذا لم تفهمي، هو استأنف أنه اقتدى بهديه صلى الله عليه وسلم في ذكر محاسن امنا الطاهرة خديجة فاقتدى به هذا كل ما في الأمر وليس أنه صنفها في مقام أمهات المومنين رضي الله تعالى عنهم جميعا للأسف بدأتها بجميل وأنهيتها بلؤم واسمحي لي إن فهمتك خطأ

  3. 3 - وأنهيتها بلؤم واسمحي لي!!! مساءً 04:18:00 2012/12/30

    "هو استأنف أنه اقتدى بهديه صلى الله عليه وسلم" رسول الله صلى الله عليه وسلم سمى خديجة خديجة وسمى عائشة عائشة فلم يسمي من يقتدي بهديه فلانة "أم هيثم" ويسمي نفسه "ناجح" وليس "أبو هيثم"؟ أم أن الإقتداء بهديه صلى الله عليه وسلم هو فقط فيما لم يخالف مثل الجاهلية العليا؟ مجرد تساؤل. وقد يكون لؤما على رواية غيري.

  4. 4 - تعليق 1 مبهم مساءً 04:32:00 2012/12/30

    اولا جزاك الله خيرا يا صاحب المقال لثناءك على زوجك الصالحة وبارك الله لك فيها وفي اولادها منك اما تعليق الخاص فاحتفظ به لنفسي لحين لكن ما رابني التعليق الاول فقد دخل في نفسي ما دخل في نفس معلق 2 وارى انه على صاحب التعليق واحد ان يوضح المقصود من كلامه لانه محل سوء تفاهم

  5. 5 - إبراهيم محمد الشاذلى مساءً 05:10:00 2012/12/30

    بارك الله لك فى زوجك وفى عقلك د.ناجح إبراهيم، وأنا واحد ممن يعجب بفكرك وطرحك وأحسبك من المجاهدين المجددين الذين سبرتهم أحوال المحن وأنضجتهم جراحات الواقع، فأعمل قلمك فى نفع هذه الأمة، سدد الله فكرك وقوى عزمك. وقبل أن أطوى صفحة هذا التعليق أود أن أسجل أن هذه المقالة التى كبتها أثرت فى نفسي جدا، بل ويشهد الله أنهاأدمعت عينى وقلبى، أسأل الله أن يجعل هذه الابلاءات فى ميزان حسناتكم، شخصك الكريمة وكل أسرتك. كما أود أن أوضح للأخ عبد الله الجزائرى أن الأخت أم هيثم تستنكر على الدكتور ناجح حينما عرض لأسماء زوجات النبى صلى الله عليه وسلم وحينما تحدث عن أم هيثم أشار إليها بأم ولده.. هذا ما فهمته والعلم عند الله ثم عند صاحب المقال.

  6. 6 - نعم هي تقصد عدم ذكر الاسم صريحا مساءً 12:20:00 2012/12/31

    اجل وانا فهمت نفس الشيء عندما اعيد التوضيح في رقم 3 لكن لا اعلم لم هذه التعريض بهذه بالطريقة كان يمكن كتابة التعريض بطريقة سهلة واضحة لا لبس فيها بان تذكر ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتحرج من ذكر اسم زوجته صراحة ولم يقل ام القاسم مثلا او ام عبد الله وكذا عائشة لم يكنها مع انه لم يكن لها ولد منه لكن التكنية مستحبة ومع ذلك ذكر اسمها صراحة واذا اردت لفت النظر الى قضية نراها عند بعض الناس لها علاقة بالعادات ولا علاقة لها بالدين فكان من الافضل الاشارة الى هذه الفكرة دون ربطها بمظهر الرجل الذي يوحي بتدينه فالفكرة التي اردت القائها مشكلتها في عقلية البشر الذين تعايشونهم وهي الصف بالتقاليد والاعراف حتى لو كان قائلها متدينا فهو متاثرا بعادات عائلته او قبيلته والا فما تفسير من يقول الاهل اعزكم الله هل هذه العبارة تجدي لها مسوغا ولو بسيطا في شرع ديننا الذي كرم المراة وكثير من الالفاظ مثل هذه تجري على الالسن بغض النظر عن مدى قرب صاحبها من التدين الحقيقي ام بعد بشكل عام من واقعي الذي اعيشه يعتبرون مناداة المراة بكنيتها من باب الاحترام للمكانة التي وصلت اليها زوجة وام حتى انهم ينكرون على المراة ان نادت زوجها باسمه امام الناس ايضا من باب الاحترام وليس من باب الشرع وفي النهاية هي عرف قد وضعه الناس والاسلام يقبل العرف في حالة لم يخالف النصوص الشرعية والا فهو مرفوض حتى لو قبله الناس

  7. 7 - سعيد محمد مساءً 05:48:00 2012/12/31

    بارك الله فيها وكثّر من أمثالها من نساء المسلمين

  8. 8 - أحمد مساءً 05:48:00 2012/12/31

    خير متاع الدنيا الزوجة الصالحة ...

  9. 9 - بعد كل هذا مساءً 04:21:00 2013/01/01

    بعد كل هذا الجهاد وكل هذه التضحية هي مجرد متاع!!! إيش دخل المتاع في كل هذا؟

  10. 10 - محمد العوضي مساءً 04:06:00 2013/01/05

    أكيد لازم تكون زوجة الدكتور ناجح ابراهيم بهذه الصوره فوراء كل رجل عظيم امرأه عظيمه

  11. 11 - هيثم ابراهيم ًصباحا 12:09:00 2013/01/10

    ليت كل نساء هذا العصر بهذه الصورة المشرفة

  12. 12 - كان من المفروض مساءً 04:28:00 2013/01/10

    يظهر الدكتور في الصورة إلى جنب زوجته.

  13. 13 - أم محمد مساءً 01:14:00 2017/04/11

    بارك الله لك في زوجتك يا ريت كل الرجال تقدر تضحية زوجاتهم

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف