آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

حول البورصة والقمار وتصحيح المسار

الثلاثاء 28 صفر 1427 الموافق 28 مارس 2006
حول البورصة والقمار وتصحيح المسار
 

نتابع منذ العام الماضي ما يجري في البورصة الأردنية والبورصات الخليجية، وفي هذا السياق لي رأي يعرفه بعض الأصدقاء، سأكرره ها هنا وأجري على الله، وهو رأي لا يستند إلى ما علق في الذهن من دراستي قبل ربع قرن في تخصص المحاسبة، بقدر ما يستند إلى رؤية منطقية وشرعية، لا تعارض نظرية العرض والطلب كمحدد لحركة السوق، بل تؤيدها؛ لأنها الرؤية الإسلامية في واقع الحال.
ما جرى ويجري هو أمر متوقع سبق أن وقع في الكويت، كما وقع في الولايات المتحدة التي استقطبت خلال النصف الثاني من التسعينيات معظم ثروات العالم من خلال بورصتيها، لاسيما (النازداك)، قبل أن تنفجر فقاعة الأسهم وتتبدى فضائح (إنرون) وسواها.
لقد كنا إزاء لعبة لا صلة لها بالتجارة والبيع الذي أحله الله، بقدر صلتها بالقمار؛ ذلك أن معظم المتعاملين في البورصة لا يشترون حصصاً في شركة من أجل الحصول على عائد سنوي، كما يقول منطق الشركات المساهمة، وإنما يشترون أوراقاً بِنيّة بيْعها بعد حين بسعر أعلى، وهي لعبة لا تبتعد كثيراً عن أوراق اليانصيب، لكن تزايد عدد المتعاملين في السوق على نحو كبير في وقت من الأوقات، فيما هم يتعاطون أعداداً محدودة من الأوراق أو الأسهم يجعل منطق السوق الطبيعي هو الارتفاع وصولاً إلى انفجار الفقاعة. وإلا فكيف يبلغ سعر سهم هذه الشركة أو تلك عشرة دنانير على سبيل المثال، فيما هي لا توزع أرباحاً على المساهمين في نهاية العام أكثر من عشرة قروش، بنسبة عشرة في المئة من السعر الأصلي للسهم الذي كان ديناراً واحداً قبل أن تفعل فيه المقامرة فعلها؟! وكم من مرة تضاعف سعر السهم مرات ومرات قبل أن تفتتح الشركة المعنية أعمالها!!
ربما قيل: إن الزيادة قد تأتي بسبب ارتفاع قيمة موجودات الشركة، وهو أمر صحيح، لكنه لا يفسر ارتفاع سعر السهم من دينار إلى عشرة، بل حتى خمسة في غضون عام واحد، وفي العموم فإن أكثر المتعاملين كانوا محكومين لروحية المقامرة التي لا صلة لها لا بالشركة المعنية، ولا بتجارتها، ولا بعائدها السنوي.
عندما اندلعت أزمة الفتاوى في السعودية والخليج تبعاً للصعود المذهل للأسواق المالية قلت لبعض الأصدقاء- وخلافاً للرأي السائد-: إن ما يجري هو لعبة قمار مخالفة للشرع؛ لأن مناط الحكم في المعاملات الإسلامية هو النية، فإذا كانت نية المشتري للأسهم هي المساهمة في الشركة المعنية من أجل انتظار عائدها الربحي نهاية العام، فإن ذلك جائز في حقه، حتى لو باعها لاحقاً لاعتبارات معينة، أما إذا اشترى أوراقاً لمجرد بيعها بعد حين فإن العملية هي نوع من القمار، وأقله المعاملات المحرمة.
يومها أخذوا يتحدثون عن الأسهم الجائزة، أي تلك التي تتعلق بشركات لا تتعامل بالربا أو الحرام، وأخرى بيْن بيْن، وثالثة غير جائزة، وهكذا، لكن الموقف كله كان مريباً؛ لأن أحداً -باستثناء قلة محدودة- لم يكن يشتري حصة في شركة، ومن سمّى اللعبة "مضاربة" لم يتجاوز الحقيقة.
في مثل هذه اللعبة لا نعرف إمكانية تدخّل الدول، لاسيما وهي تدرك أن هناك من يحققون ثروات هائلة في مقابل آخرين يفقدون نسبة كبيرة من ثرواتهم البسيطة أثناء مطاردة وهم الثراء السريع، لكن قانوناً يرشد العملية لا يبدو متوفراً هذه الأيام؛ لأن مبدأ العرض والطلب لا يزال الحكم.
تراجع الأسعار الذي تابعناه هو تصحيح تدريجي للعبة، بحيث يغدو سعر السهم مساوياً لحصته الحقيقية من الشركة المعنية، قياساً إلى موجوداتها وأرباحها السنوية، أما استمرار لعبة القمار القائمة فلن يصب لا في صالح الاقتصاديات الوطنية التي يتراجع فيها البعد الإنتاجي الحقيقي، ولا في صالح الناس، حتى لو كان كذلك بالنسبة لجمهرة بسيطة من الشُّطار.
والله أعلم.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف