آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

حسن شاش: معركة تونس تعديل الدستور وإقصاء بقايا نظام ابن علي

السبت 18 صفر 1432 الموافق 22 يناير 2011
حسن شاش: معركة تونس تعديل الدستور وإقصاء بقايا نظام ابن علي
 

اعتبر السفير حسن شاش، مساعد وزير الخارجية المصري السابق للشئون العربيَّة، أنَّ نجاح الثورة التونسية أعاد الاعتبار للشعوب العربية، كقوى فاعلة يجب الرهان عليها, وليس الرهان على الآلة الأمنية والقبضة الحديديَّة, فمن رأى ابن علي في خطابه الأخير شعر بمدى نجاح الصمود الشعبي في تفكيك مفاصل نظام حاول تكريس حكمه بالحديد والنار.

وبلهجة حاسمة استبعد الدبلوماسي المصري وجود أي يدٍ أجنبية في أحداث تونس الأخيرة, فما حدث هو ردُّ فعل شعبي طبيعي على ممارسات استبدادية فاسدة, جاءت عفوية بدون تخطيط مسبق، بل إنها شكلت صاعقة لكلٍ من واشنطن وباريس، الذيْن لزما الصمت مراهنَين على قدرة النظام على البقاء, لافتًا إلى أنَّ واشنطن ستنصح حلفاءها في المنطقة بإقرار إصلاحات سياسية وديمقراطية باعتبار هذه الإصلاحات السبيل الوحيد للبقاء في السلطة وتجنب مواجهة مصير مماثل.

ولفت الانتباه إلى أن معركة الشعب التونسي القادمة تتمثل في ضرورة تعديل الدستور التونسي باعتباره من رموز النظام السابق الذي ينبغي استئصالها ومعها بقايا النظام، وعدم الموافقة على لعبهم أي دور في الحياة السياسية، لافتا إلى أنَّ القوى السياسية التي حظرها ابن علي طوال السنوات السابقة مثل الإسلاميين واليساريين، قد لا يلعبون دورًا خلال الفترة الانتقالية، باعتبارهم بحاجة لمراجعة خياراتهم بعد عقود من الإقصاء والإبعاد. واستبعد إمكانية سريان العدوى التونسية في بلدان الجوار العربية خلال المستقبل المنظور.

 

كان تهاوي نظام ابن علي في تونس لافتًا، في ظل الطابع الاستبدادي والبوليسي للنظام وإمساكه بجميع مفاصل الدولة في تونس..

بالفعل مثَّل سقوط نظام ابن علي مفاجأة مدوية للجميع، حيث كان الانطباع السائد يسير في إطار قدرة هذا النظام على البقاء في ظل سيطرته التامة على جميع مفاصل القرار السياسي والأمني والاقتصادي، وتبنِّيه نهجًا إقصائيًّا للقوى المعارضة له، بشكل أفضى إلى إخفاق هذه القوى في الوقوف ضدها، بل إنه نحج في خلق ما يمكن أن نطلق عليه أحزاب الموالاة له داخل أحزاب المعارضة، مما جعله يظهر طوال 23عامًا في مظهر النظام القوي والعصي على السقوط، ولكن انتفاضة الشعب التونسي المباركة تمكنت خلال أسابيع أربعة من تفكيك بنية النظام عبر صمودها وكفاحها وتخطيها لجميع الخطوط الحمراء، لدرجة أن من رأى ابن علي عشية فراره كشف وصوله لمرحلة من الانهيار أعجزته عن إيجاد حلول للمأزق الذي وضع فيه نفسه حين حول البلاد إلى "عزبة" خاصة به يحكمها كيفما يشاء، بل إن الدرس الذي قدمته هذه الأزمة أعاد الاعتبار للشعوب لأن تكون قوى فاعلة إذا أردت هي أن تنفض عن نفسها غبار الديكتاتورية والفساد، بل وقدمت إشارات قوية لشعوب المنطقة بأن عليها أن تمتلك زمام المبادرة، وأن تكف عن القبول بالقهر والظلم.

توحيد الصفوف

ولكن البلاد شهدت فوضى أمنية غريبة على ثقافة الشعب التونسي، تضمنت سلبًا ونهبًا للمؤسسات العامة والخاصة..

هناك قضية مهمة يجب الوقوف حيالها، وتتمثل في ضرورة وقوف التونسيين صفًّا واحدًا قبل أن تتسبب الفوضى التي تورط فيها مقربون من نظام ابن علي، والذي جثم على صدر الشعب لأكثر من ثلاثة عقود، بهدف جر البلاد إلى نفق مظلم قد يستغلونه للعب دور في الخريطة السياسية، التي يجري حاليًا تشكيلها، فالقوى السياسية والوطنية يجب أن تمنع بقايا النظام الدموي من سرقة كفاح ونضال الشعب التونسي، وأن يجري التخلص من إرث ابن علي بشكل كامل، وهو ما أعتقد أنه السيناريو القابل للتطبيق؛ فالشعب الذي أسقط الطاغية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يرضى بسيطرة المقربين منه على البلاد، مستغلين الانقسامات السائدة بين أحزاب المعارضة والتي كرسها النظام الهالك.

كأنك تتخوف من إمكانية أن تلعب التباينات بين أطياف المعارضة التونسية دورًا في سيادة حالة من الغموض كي يستغلها بقايا النظام لإطالة أمد بقائهم في السلطة؟

لقد عانت المعارضة التونسية طويلًا من البطش والقهر على مختلف مشاربها، فمصير اليسار لمن يكن أفضل حالًا من اليمين، والإسلاميون عانَوْا هم والعلمانيون كذلك من بطش ابن علي واستبداده، لذا فعلى هؤلاء أن يطووا صفحة خلافاتهم الأيديولوجية؛ بأن يضعوا مصلحة البلاد وحماية ثورة الشعب التونسي من استغلال المتربصين بها، رغم اعتقادي بأن وجود عديد من رموز المعارضة التونسية في الخارج ومنهم الإسلاميون وعلى رأسهم رموز حزب النهضة وقادة الأحزاب الليبرالية واليسارية المحظور منها والشرعي، قد يضعف من فرص لعبهم دورًا مهمًا في المرحلة الانتقالية، والتي ستستمر 60يومًا، وإن كانوا مؤهلين للعب دور قوي في المرحلة التالية بعد العودة للبلاد والبحث في سبل دمجهم في الحياة السياسية وتجاوز عقود الإقصاء.

تعديل الدستور

برأيك.. ما الخطوة التي ينبغي على المعارضة التونسية القيام بها خلال هذه المرحلة الانتقالية؟

يجب أن تمارس المعارضة أقصى نوع من الضغوط على بقايا النظام السابق لإجراء تعديل في الدستور التونسي يؤصل لتجربة ديمقراطية رائدة في المنطقة، فليس من المنطقي أن يلفظ الشعب التونسي الديكتاتور ابن علي ويستمر دستوره مهيمنًا على الأوضاع، وتجري في ظله انتخابات رئاسية وتشريعية، فمن كافحوا لنبذ الديكتاتورية لن يمكن أن يقبلوا أن تجري قواعد اللعبة السياسية الجديدة وفق دستور صاغه ابن علي وتلاعب به كيفما يشاء، فتطهير البلاد من هذا الدستور هو أفضل الوسائل لتهيئة الساحة لتجربة ديمقراطية يشارك فيها جميع القوى السياسية الشرعية، أو من حظره النظام السابق، ليعمل الجميع على بناء تونس جديدة على النسق الديمقراطي.

خارج المشهد

لكن الأنباء الواردة من تونس تفيد بمشاركة بعض الوزراء التكنوقراط من المنتمين لحزب التجمع الدستوري الحاكم؟

هذا الأمر جُوبِهَ بمعارضة شديدة من القوى الشعبية وأحزاب المعارضة في تونس، فوزراء ابن علي هم أحد الأسباب المشكلة التي أدت إلى الأحداث الأخيرة، وليسوا جزءًا من الحل، ويجب أن لا يستمر هؤلاء في الحكم حتى لو كان ذلك بشكل مؤقت لحين إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، فهؤلاء يجب أن يخرجوا من صدارة المشهد التونسي بعد أن أخذوا فرصتهم كاملة طوال العقود الستة الأخيرة، ولا يقبل التونسيون بأي خطوات التفافية لهم على الثورة، ومنها الاستقالة من الحزب الحاكم مثلًا.

وطنية 100%

ترددت الأنباء عن إلقاء السلطات التونسية القبض على بعض المسلحين الأجانب في مختلف المدن التونسية، فهل تعتقد بوجود أيدٍ أجنبية في هذه الأحداث؟

الثورة التي أسقطت الحكم الديكتاتوري في تونس داخلية وطنية بامتياز، ولا دخل للقوى الخارجية بها، لا من قريب أو بعيد، ولم تحظ بأي دعم، فهي ثورة حركه الفقر والفساد والمظالم الاجتماعية والاستبداد، بدأت مع إحراق الشاب التونسي البو عزيزي نفسه، وبدأت بعدها شرارة الغضب تتنقل لجميع أنحاء البلاد، بل إن أحزاب المعارضة التونسية لم تلعب دورًا مهمًا في هذه الثورة حتى تنسب لنفسها النجاحات، فهذه الانتفاضة جاءت وفق إرادة شعبية بعد أن وصل الغضب مداه، ولم يعد هناك سبيل للصمت على ممارسات النظام الديكتاتوري، من ثم فالقبض على أجانب ليست له أبعاد سياسية، بل قد يكونون من المرتبطين بمصالح وصلات اقتصادية مع سدنة النظام السابق.

صاعقة مدوية

غير أن الأمر اللافت في هذه الأحداث حالة الصمت التي تذرعت بهما باريس وواشنطن، رغم العلاقات الوثيقة التي تربطها بديكتاتور تونس السابق، وتخليهم عنه في النهاية، لدرجة أن حكومة ساركوزي رفضت استقباله..

هذا دليل جديد على الطابع الوطني للثورة الشعبية التونسية، وعدم وجود أطراف خارجية تدعمها، وإلا لما كان الصمت الفرنسي الأمريكي لمدة 4أسابيع، وعدم تبني أي مواقف تجاه أحداث تونس، رغم إصرار النظام على استخدام الآلة الأمنية لقمعها.

ففرنسا وإدارة أوباما لم يفكرا أدنى تفكير في إمكانية تهاوي نظام ابن علي بهذه السرعة التي شكلت صاعقة لهما وأعجزتهما عن التدخل لحماية حليفهما الأول في المغرب العربي، بل إن باريس رفضت استقباله حتى تحافظ على مصالحها في تونس، ولا تستفز الجالية التونسية الكبيرة هناك، بل ارتأت عدم الرهان على ابن علي بعد أن تحول لكارت محروق يضر بمصالحها في المغرب العربي.

مراجعة الخيارات

سقوط حليف قوي لواشنطن في منطقة المغرب العربي يشكِّل خسارة كبيرة للمصالح الأمريكية.. فكيف ستتعاطى مع هذا الطرح لعدم تَكرار نفس السيناريو مع حلفاء آخرين؟

أعتقد أن واشنطن تراجع خياراتها في المنطقة بعد الخسارة التي لحقت بها بعد سقوط ابن علي في ظل محدودية هذه الخيارات، لذا أرى أنها ستنصح حلفاءها في المنطقة إن لم تمارس عليهم ضغوطًا مكثفة لإقرار إصلاحات ديمقراطية واقتصادية واجتماعية، باعتبار أن استمرار الأوضاع الحالية لا يجعل هذه الأنظمة في مأمن من قيام ثورات مماثلة، وستؤكد لهم أن وجود نوع من الحكم الرشيد والشفافية ونبذ الفساد يشكِّل ضمانة لأمن واستقرار هذه البلدان، بل ويوفر لها نوعًا من الحماية، ويعطي فرصًا لواشنطن للتدخل لدعمها في الوقت المناسب، قبل أن تفاجأ بسقوطها على غرار ما حدث مع ابن علي.

درسٌ قاسٍ

ولكن هل تعتقد أن سقوط ديكتاتور تونس سيناريو يمكن أن يتكرر في بلدان الجوار وفقًا لنظرية تدحرج كرة الثلج؟

من الأمور اللافتة أن الثورة التونسية قدمت جرس إنذار لأنظمة الجوار لاستخلاص العبر والدروس قبل أن تواجه المصير نفسه، وقد رأينا بعض الدول تتراجع عن إجراءات اقتصادية اتخذتها مخافة وقوع اضطرابات أمنية واجتماعية، واتخذت إجراءات احترازية لمنع تفاقم الغضب الشعبي. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من أحداث تونس أن الديمقراطية والحكم الرشيد هو أكبر ضمانة لاستمرار الأنظمة الحالية، وأن الرهان على سطوة الأجهزة الأمنية لا يضمن بقاء الأنظمة، لذا فأنا أرجح أن تشهد دول الجوار التونسي إصلاحات نسبية خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يجعل تكرار السيناريو التونسي في بعض الدول العربية أمرًا مستبعدًا على الأقل في المرحلة القادمة، باعتبار أن نظام ابن علي كان الأكثر عجرفة وقطيعة مع الشعب وإقصاءً لكل القوى المعارضة، ناهيك عن انهيار الأوضاع الاقتصادية بشكل غير مسبوق في تونس.

باعتقادك، ما هو الخطأ الذي يمكن أن ترتكبه الأنظمة العربية في هذا التوقيت؟

يخطئ النظام الذي يتصور أن أوضاعه أفضل من النظام التونسي، أو أن يركن إلى اختلاف أوضاع بلاده، فالجميع يختلفون مع بعضهم في الدرجة، وليس في النوع، وعليهم ضرورة إقرار إصلاحات سياسية جريئة تؤسس لنوع من الحكم الرشيد، باعتبار أن أحداث تونس قد قدمت إشارات بانطلاق قطار الديمقراطية في المنطقة، وعلى الجميع اللحاق به، باعتبار أن التوقيت قد حان لترفرف راية الديمقراطية والإصلاح على المنطقة، فلم يعد مقبولًا عودة عقارب الساعة للوراء.

تجربة فريدة

في رأيك، إلى أين تتجه تونس في المرحلة القادمة في ظل بعض المشاهد الدموية داخل المدن التونسية في الفترة الأخيرة؟

الشعب التونسي قادر على احتواء هذه الأحداث، وسينطلق في مسيرة ديمقراطية إصلاحية ستقدم نموذجًا لشعب قام بثورة سلمية تمكنت من إسقاط الديكتاتور دون أن تحظى بدعم خارجي، وهو ما يضمن نجاحها واستمرارها بشكل يمنع سرقة هذه الثورة واستغلال خلافات وتباينات أحزاب المعارضة لتفريغ ما حدث من مضمونه، وهو ما لن يقبله التونسيون الذين يجب عليهم البقاء صفًّا واحدًا، وخوض معركة تعديل الدستور وصياغة دستور ديمقراطي قادر على استئصال شأفة الديكتاتورية والاستبداد، والتصدي لمحاولة بقايا النظام السابق استغلالَ الاضطرابات الأمنية للعب أي دور في تونس الجديدة.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - معروف مساءً 08:11:00 2011/01/22

    فعلا معركة الشعب التونسي مع استئصال بقايا الديكتاتورية وصياغة دستور جديد ينهي حقبة بني علي المظلمة

  2. 2 - محمود مسعود ًصباحا 12:42:00 2011/01/25

    اخشي ان ينجح زبانية بن علي في السطو عليثورة الشعب التونسي واستمرار حكم بن علي في ثوب جديد يحاول التنصل من جرائمه وجرائم الحزب المسمي زورا وبهتانا بالدستور مع ان بن علي اول من وضع الدستور التونسي بين فردتي نعليه

  3. 3 - فهد مساءً 02:09:00 2011/01/25

    الحمد لله على سقوط الحكومة التونسية وعقبال باقي الحكومات العربية والاسلامية الظالمه

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف