آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

د. جلال أمين: لن يتحقق الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي إلا بتغيير النظام السياسي بأكمله

الخميس 23 صفر 1432 الموافق 27 يناير 2011
د. جلال أمين: لن يتحقق الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي إلا بتغيير النظام السياسي بأكمله
 

المفكِّر المصري الدكتور جلال أمين، يعد واحدًا من أبرز علماء الاجتماع والاقتصاد في مصر والعالم العربي، له قدرة تحليليَّة لتفسير ما يجرى اجتماعيًّا واقتصاديًّا، بفضل ما أنتجه من دراسات متخصِّصة في هذا المجال، وخاصَّة في المجال الاقتصادي.

والدكتور أمين عمل أستاذًا في عدة جامعات مصريَّة وأمريكيَّة في علم الاقتصاد، ويشغل حاليًا أستاذًا للاقتصاد في الجامعة الأمريكيَّة بالقاهرة، في حديثه لشبكة "الإسلام اليوم" يحلِّل الدكتور جلال أمين أبعاد التطورات التي طرأت على الساحة العربية بما جرى في تونس من انتفاضة شعبية أودت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي، وخلعه عن حكم دام لنحو 23 عامًا.

ويتناول د. أمين مسبِّبات الظاهرة الفريدة من نوعها في العالم العربي، بالإضافة إلى حديثه عن انعكاساتها على الدول العربيَّة الأخرى، ولم يغبْ عن الحوار التطرُّق إلى حيثيات الإصلاح في العالم العربي، إلى غيرها من المحاور ذات الصلة التي طرحت نفسها على مائدة الحوار التالي:

 

ما تفسيرك لتخلي الدول الكبرى عن الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي بهذه السهولة؟

هذا طبيعة الغرب عمومًا، في أن له مصالح، ووقت أن تنتهي مصالحه مع شخص ما، فإنه سيصبح بالنسبة له ورقة "محروقة" فيتخلى عنها.

وأؤكِّد أن الدول الغربية المسيطرة، تود أن تكون لها الكلمة العليا في العالم، وخاصة الوطن العربي، وهي في الوقت ذاته تكون في غاية القسوة مع من ينتهي دوره، فهي تمصُّ دم الحكومات العربيَّة حتى آخر قطرة منها، ثم تقوم بعد ذلك بلفظها.

وأستشهد في ذلك بما حدث مع شاه إيران والرئيس الفلبيني ماركوس والرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وجميعهم خدموا الغرب جيدًا، حتى انتهاء دورهم، ليلفظهم الغرب بعد ذلك، ونجد أن الدول الكبرى تخلَّت عن إيواء الشاه، حتى استقرَّ به الحال في القاهرة بعد خلعه، وبعده قاموا بإقصاء صدام حسين عن الحكم، بل وأعدموه ليكون عبرة لغيره، واليوم نجد فعلتهم للشيء ذاته مع زين العابدين بن علي، بعدما رفضوا استقباله، وظلَّ محلقًا في الجو باحثًا عن مأوى له ولأسرته، ولذلك فـ "المتغطي بالغرب عريان".

ولكن يبدو أن هذه الرسالة لم تصل إلى كثير من الأنظمة العربيَّة، بدليل ممارستها للقسوة والاستبداد بحقّ شعوبها؟

الأمر يبدو كذلك بالفعل أن الحكومات والأنظمة العربية "لم تتَّعظْ" بالرغم من كافة الرسائل التي تتلقَّاها، ولو كانت تستوعب الدرس جيدًا لقامت بتطبيق الإصلاح الشامل في بلدانها، وتدرك هذه الأنظمة أنها لو قامت بذلك، فإنه سيؤدي إلى تهديد مقاعدهم وكراسيهم، ولذلك يعيشون فقط على أمل تعاون الغرب معهم، ومدّ يد العون لهم في حال انقلاب شعوبهم عليهم.

ولكن الواضح أن الغرب يتعامل بقسوة مع من ينهار منهم ويفقد صلاحيته، بل ويصبح بالنسبة له "ورقة محروقة" لا يجب التعامل معها، وهو ما ظهر أخيرًا في رفض فرنسا إيواء بن علي، على الرغم من أنها كانت الحليف الأقوى والدعم له، فضلا عن قيامها بتجميد أرصدته، وفعلت الشيء نفسه كثير من الدول الكبرى، فالنظام العالمي ليست لديه رحمة مطلقة في التعامل مع الموالين له من العرب.

وبرأيك ما السبيل للمخرج من الأزمات التي يعاني منها العالم العربي حاليًا؟

هي أزمات ليست وليدة اليوم، ولكنها متراكمة، ولدينا في مصر كثير من الأزمات وخاصة الاقتصادية، وهي الأزمات الخانقة على المواطن العادي، وللخروج منها ينبغي أن يتحقَّق العدل، فهو من الأهميَّة بمكان، فالعرب بحاجة إلى تحقيق العدل.

ولنا أن نتخيَّل قدر المتناقضات القائمة في المجتمع المصري، ففي الوقت الذي يحصل فيه خريجو الجامعات على شهاداتٍ كبيرة، إذا بهم يعملون في غير تخصصاتهم لعدم توفر مجالات عمل لهم في تخصصاتهم، فضلًا عن أن الأموال التي قد يتمُّ ادخارها يقوم أصحابها بإنفاقها على الدروس الخصوصيَّة، مقابل غيرهم من المواطنين الذين لا يستطيعون توفير مثل هذه الأموال، وإنفاقها في مثل هذا الأمر.

كما أن الشباب الذي يحجم عن الزواج لعدم توفّر مسكن لبيت الزوجية، يجد أمامه متناقض تام له، وهو وجود العديد من العقارات المغلقة لسنوات عديدة، مما يسبب له حالة من الإحباط على حاله، وفي الوقت نفسه يخلق حالة من الحنق على غيره.

وفي الوقت ذاته هناك حالات سفه الإنفاق فيما لا يفيد الشعب، مثل السفريات غير المبرَّرة، والتي يحصل بموجبها العاملون في الدولة المصريَّة على بدلات سفر مرتفعة، مقابل عدم تكافؤ هذه الفرص مع الآخرين، وهو ما يولِّد حالة من اليأس الشديد داخل المجتمع، نتيجة هذه التناقضات غير المقبولة.

لذلك لا بدَّ من تحقيق العدل، والذي معه يمكن أن يتحقق الرضا بين أبناء الشعب الواحد، والتوقف فورا عن الفساد، ومنع استشرائه، ومحاسبة مرتكبيه بكل الطرق القانونيَّة، ليسود القانون الجميع.

وأيهما يمكن الشروع به في العالم العربي، الإصلاح الاقتصادي أم الإصلاح السياسي؟

لا يمكن فصل حفظ الكرامة في إطار الإصلاح السياسي عن العوامل الاقتصاديَّة، فالإصلاح مطلوب في كل مجال، وهناك ترابط بين الجانبين السياسي والاقتصادي، وعندما نبدأ بالإصلاح، فإنه ينبغي البدء بحلّ مشكلة البطالة، واتباع سياسة تعليميَّة مختلفة، وهذا لن يتحقق إلا من خلال حلّ للمشكلة الاقتصادية، والأخيرة تتطلَّب تغيير نظام سياسي بأكمله.

لكن الواقع يؤكِّد أن كل هذا غير حاصل في العالم العربي في الوقت الحالي أو المستقبل المنظور على الأقل، فما تعليقك؟

أنا ضدّ اللهجة المبالغة في التشاؤم، ودائمًا أميل إلى التفاؤل، ومصر مرَّت بالعديد من الظروف الاقتصاديَّة السيئة، بالشكلِ الذي يفوق ما تمرُّ به الآن، غير أن الظروف الحالية طالت كثيرًا، ولكن في المقابل مهما طالت مثل هذه الظروف الصعبة فإنها مؤقَّتة، والشباب المصري الصاعد يبشر بالخير ومعه الشباب العربي، وهو أمر لم يكن موجودًا في جيلي على الأقل، حيث يتمتع الشباب الحالي بالرغبة في الطموح والنشاط ومعرفة ما يدور حوله في العالم، مما يجعلنا لا نفرط في التشاؤم أو الاعتقاد به.

وبرأيك لماذا وصل الحال في مصر والعالم العربي بهذا السوء من حيث تدهور الحالة الاقتصاديَّة، وتردِّي المستوى السياسي؟

هذا كله نتيجة القهر، وعم العدل كما أشرت، والاستجابة لمطالب صندوق النقد الدولي، والذي يركِّز في مطالبه على أمرين، الأول: تحرير التجارة، وبالتالي التركيز على الاستيراد، مما يساهم في إضعاف الصناعات الوطنيَّة، وإغراق السوق المحليَّة بالمنتجات المستوردة.

أما المطلب الآخر فهو الخصخصة، وهو ما نتج عنه تسريح للعمالة، وبيع ممتلكات الدولة العربية بأثمان باهظة للغاية، بالإضافة إلى إتاحة المجال واسعًا للمعاش المبكِّر.

ما تعليقك على حزمة الإجراءات الاقتصاديَّة التي أعلنتها عدَّة دول عربية بعد خلع الرئيس التونسي زين العابدين بن علي من حكم البلاد؟

هذه كلها مسكِّنات، قامت بها بعض الحكومات العربيَّة، ولكنها في واقع الأمر لا تهدف إلى إصلاح حقيقي، فكما ذكرت الإصلاح الحقيقي يقوم على العدل، ولابد أن يكون هناك إصلاح اقتصادي واجتماعي، وهذا لن يتحقق إلا من خلال تغيير شامل للنظام العربي.

وهل تعتقد أن ما حدث في تونس يمكن أن يتكرَّر في غيرها من الدول العربيَّة؟

إذا تعرضنا لظاهرة الانتحار، فإنه من الصعوبة بمكان أن يقدم كل إنسان محبط أو يائس على هذه الظاهرة، إلا إذا كانت لديه دوافع اليأس التام من الحياة، وينبغي أن نفرق بين الشروع في الانتحار وبين الانتحار ذاته، فالأول قد يستهدف لفت الانتباه بالأساس إلى مشاكل هذا الشخص، ولكن الآخر كما ذكرت فقد يكون نابعًا من يأس تام من الحياة والقنوط منها، ولا شكّ أن ما حدث في تونس جعل السلطات العربية في خوف شديد، فهي تنتاب مما حدث للنظام التونسي من سقوط سريع في أقلّ من شهر تقريبًا.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - حوار جيد نرجو المزيد مساءً 09:38:00 2011/01/27

    نرجو المزيد من هذه الحوارات مع كبار المفكرين البارزين العرب أمثال ضيفكم الكريم وأمثال الدكتور عبدالله النفيسي وغيرهم

  2. 2 - عبدالقادر ًصباحا 06:08:00 2011/02/02

    لو ذهب النظام بأكمله ثم لحقه نظام آخر لا وزن للدين عنده فستظل المشكله كما هي بل ستزيد، نريد إسلاميين يحكمون لكن بشرط أن يكونوا عقلاء يراعون إمكانيات الشعب ولا يستخفون بقوة العدو والسنن الكونية وأسباب النصر، وتكون أكبر أولوياتهم تطبيق الشريعة ، ونشر الإسلام ، وتأمين احتياجات الناس الأساسية .

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف