آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

د. محمد يحيى: التخلص من بقايا نظام مبارك ضرورة لنجاح الثورة

الاثنين 18 ربيع الأول 1432 الموافق 21 فبراير 2011
د. محمد يحيى: التخلص من بقايا نظام مبارك ضرورة لنجاح الثورة
 

لأن ثورة 25 يناير حدثٌ فارقٌ وغير عادي، ولأن الأوضاع الآن في مصر تستحق التوقف والتأمل والتوقع، بعد أن أصبحت الأمور في يد الجيش، والمصريون الآن يعيشون حالة بين الأمل في مستقبل مشرق ومختلف، والخوف من أية سرقة لثورتهم أو من رغبة الجيش في ممارسة الحكم، كما حدث في عام 1952م. عن هذه الآمال والمخاوف يحدثنا في هذه السطور المفكر الإسلامي الدكتور محمد يحيى، مستشرفًا المستقبل والنتائج المترتبة على نجاح الثورة.

 

كيف تتوقع قيادة الجيش شئونَ البلاد في الفترة المقبلة؟

أتوقع أن يَفِيَ الجيش بوعوده وأن ينجح في تفكيك بقايا النظام السابق، وأن ينجح في إقامة نظام سياسي جديد على أسس حرة ومختلفة. وتوقعي هذا لا ينطلق من فراغ؛ وإنما يقوم على عدة ثوابت:

أولًا: أن دور الجيش كان ممتازًا، واستطاع أن يحافظ على المتظاهرين، ويمنع آلة القمع الهائلة -التي أنشأها نظام مبارك- من البطش بهم.

ثانيًا: أعدَّ أعوان مبارك خطةً لتصفية ميدان التحرير، لكن الجيش رفضها، وبينما كان نظام مبارك يراهن على الوقت والالتفاف والمراوغة، كان الجيش يراهن على أن الوقت سيخلصه من عبء مبارك ونظامه، وكأنه كان يقول له: نحن واقفون نحمي الناس لنرى كيف ستخرج من هذه الورطة التي لا مثيل لها؟

ثالثًا: حينما اتَّسع نطاق المظاهرات قال قادة الجيش لمبارك: لقد أمهلناك بما فيه الكفاية، ولن نستطيع حمايتك أكثر من ذلك، وعليك بالرحيل.

رابعًا: حتى لو كان هناك تخوُّفٌ عند البعض من أن يمارس قادةُ الجيش العملَ السياسي، فإنهم لن يستطيعوا الوقوف ضد آمال الثورة وأحلامها، وليسوا سذَّجًا لكي يفعلوا ما يؤدي إلى أن يكرههم الشعب، فهم يعلمون أن الثورات الكبرى لا بد أن تؤدِّيَ إلى تغيراتٍ كبرى.

خامسًا: ليس للجيش مصلحةٌ في أن يحافظ على بقايا العهد البائد، وأتوقع أن ينفِّذ مطالب الثورة في تطهير البلاد من كل المسئولين الفاسدين، وأن يُجْرِيَ محاكماتٍ كثيرةً لرموز ذاك العهد.

سادسًا: إعلان الجيش أنه سيسلِّم زمام الحكم إلى سلطة مدنية بعد 6 شهور من الآن، وأنه يسعى إلى حكم مدني يحترم شرعية الثورة، وخروج أخبار عن تكليف الجيش للمستشار طارق البشري لرئاسة لجنة دستورية لإعداد دستور جديد، مع ما يحظى به البشري من سمعة محترمة، والتسريبات برغبة الجيش في إجراء الانتخابات بالرقم القومي.. كل هذه أمور مطمْئِنةٌ تؤكد أن الأمور تسير في طريقها الصحيح.

أما المخاوف فتكمن في أن يصدر عن الجيش أي بوادر للخروج من حالة الهدوء التي يتبعها منذ بداية الأزمة إلى حالة من ممارسة العنف أو بعض العنف، خاصة مع منعه للاعتصامات وإمكانية فضها بالطرق العنيفة. وهناك مخاوفُ من أن تتحول لغة الجيش من الهدوء إلى التهديد. لكني أعتقد أن هذه مجرد مخاوف فقط نتعشم أن تزيلها قيادة الجيش بسلوكها وقراراتها.

وماذا عن المخاوف بأن يكرر ضباط الجيش ما فعلوه عام 1952م، ويرفضوا العودة إلى ثكناتهم؟

الحالتان مختلفتان، ففي عام 1952م كان الضباط هم الذين قاموا بالثورة، وكانوا كلهم صغارًا في السن وفي عنفوان الشباب، وقد رأَوْا أنهم يجب أن يجنوا ثمار ما قاموا به بأن يمارسوا الحكم بأنفسهم. أما الآن فإن الجيش لم يقم بالثورة، وإنما قام بها الشعب نفسُه، وبالتالي فليس هناك مبرر للضباط أن يمارسوا الحكم. وأعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة ضباط كبار في الرتب وفي السن. وإذا كان في ضباط ثورة يوليو من كان يحمل ثقافة أو أيديولوجية معينة، فالواضح أن قادة الجيش الآن ليسوا من هذه النوعية، وإنما هم مهنيون محترفون وعسكريون في المقام الأول.

كيف تتوقع شكل علاقة الجيش المصري وقادته بالولايات المتحدة في أعقاب الثورة؟

أعتقد أن تكون هذه العلاقات جيدة وليست سيئة، لكنها لن تكون أبدًا كما كانت أيام مبارك. فمبارك أقام العلاقات مع الأمريكان على أساس التبعية والذل، وكان يخشى الأمريكان لأنهم يعلمون عوراته، وأهمها أنه قتل السادات، كما يعلمون جرائمه وسرقاته.. وكانوا يسيطرون عليه عن طريقها، ولذلك كان منبطحًا تمامًا أمامهم. كما كان مبارك شخصية ضعيفة، والشخصية الضعيفة بطبعها تريد من تستند عليه.

أما الآن فلابد أن تترجم قيادات الجيش مطالب الثورة إلى واقع، وأهمها أن يتحقق لمصر استقلالها الذي يترجم حجمها ووزنها كدولة كبيرة ومهمة. ثم إن قادة الجيش الجدد ليس هناك ما يدفعهم لإكمال سياسات مبارك، وأن يستمروا في دفع فواتير سياساته الخاطئة.

وهل يمكن أن نتوقع تغييرًا في علاقة مصر بإسرائيل؟

كان الجيش منطقيًا في التأكيد على احترام المعاهدات الدولية، ومنها بالطبع معاهدة كامب دافيد، وهو تأكيد شكلي روتيني، فالجيش لا يمكنه في هذه الظروف أن يتحدث عن إلغاء أو تعديل كامب دافيد، فالظروف لا تسمح، وإسرائيل يمكنها استغلال ذلك واجتياح سيناء في ظل انشغال الجيش بإدارة شئون البلاد والقيام بدور الشرطة والأمن. وسيترك الجيش هذا الأمر للنظام السياسي القادم. لكن في الوقت نفسه لن تكون العلاقة مع إسرائيل كما كانت أيام مبارك. فإسرائيل كانت تعتبره "كنزًا استراتيجيًا"، وضغطت كثيرًا على الولايات المتحدة حتى تدعمه ولا تتخلى عنه، فهي تعلم أنها لن تستطيع أن تعوضه. والقيادة العسكرية الآن لن تكون كما كان مبارك، وعلى الأرجح فسوف تجعل بينها وبين إسرائيل خطوات، فهي تعلم أن الشارع المصري يكره إسرائيل، ولا يريد التطبيع، وهي ستعكس ذلك على أرض الواقع عن طريق علاقات باردة.

ما الذي ترى أن قيادة الجيش لم تفعله بعد؟

هناك الكثير الذي لم يتم فعله حتى الآن، نحن نقدر عامل الوقت، ونقدر أن التحدي الأكبر الذي يواجه الجيش الآن هو استعادة الأمن والهدوء ودفع دولاب الحياة للدوران بشكل طبيعي.. وهذا يستنفد كثيرًا من الوقت والجهد. لكن الشارع الآن يريد أن يسمع أخبار الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين، وعن إلغاء حالة الطوارئ، وعن حل الحكومة الحالية، والتخلص من كل وجوه بقايا النظام السابق.

بعد سقوط النظام ورحيل مبارك هبَّ المصريون في كل الهيئات والمؤسسات للمطالبة بتغيير قياداتها، وكذلك المطالبة برفع الأجور.. كيف ترى الموقف الذي ينبغي أن يقفه الجيش من هذه الاحتجاجات؟

لن تكتمل الثورة حتى يستجيب الجيش إلى مطالب الشعب، ويقوم بحركة تطهير واسعة للتخلص من بقايا نظام مبارك في هذه الهيئات والمؤسسات. فمن المعلوم أن النظام الفاسد السابق كان يعيِّن قيادات الهيئات والمؤسسات على أساس الولاء له وليس على أسس الكفاءة والمهنية، ولذلك حرص على انتقاء أسوأ العناصر التي أساءت الإدارة وظلمت الناس واستأثرت بالحوافز والمكافآت وسرقت الميزانيات والأرصدة. وقد شجعت ثورة 25 يناير العمال والموظفين على التظاهر ضد هذه القيادات، فالناس يقولون: إنهم نجحوا في التخلص من رأس النظام، فهل يعجزون في تتبع الذيول؟

طلبات الناس منطقية، لكن لا بدَّ من تأخير المطالب الفئوية مثل زيادة الأجور بعض الوقت، أما مطالب تغيير القيادات الفاسدة، فهي مطالب مشروعة يجب على المجلس الأعلى للقوات المسلحة الآن أن يستجيب لها؛ حتى يشعر الشباب أن ثورتهم نجحت واكتملت.

كيف ترى خريطة مصر الحزبية بعد ثورة 25 يناير المجيدة؟

إذا سارت الأمور في مسارها الصحيح، فإنه لا بد من تغيير قانون الأحزاب، وقانون ممارسة الحقوق السياسية، وإلغاء كل القيود والعقبات أمام إنشاء الأحزاب الجديدة.

إذا حدث هذا فسوف نرى أحزابًا كثيرة، وسوف نرى وجوهًا محترمة يلتف حولها البعض، وتكون أحزابًا أفضل من الأحزاب الحالية.

من المفترض أن يكون تكوين الأحزاب بمجرد الإخطار، وليس عن طريق موافقة لجنة إدارية حكومية، والحزب الذي له جماهير هو الذي سيبقى، بينما سيختفي من تلقاء نفسه الحزبُ الذي ليس له وجود في الشارع.

أتوقع أن تقلَّ شعبية حزب الوفد بعد تاريخه غير المُرضي مع النظام السابق، وأتوقع انقسامات في حزب التجمع الشيوعي، وكذلك تغيير قياداته بعد موقفهم المخزي من الثورة. كما أتوقع أن تختفي الأحزاب الورقية، فهذه الأحزاب كانت تستمد بقاءها من النظام نفسه، الذي كان يعطيها المساعدات المالية والمقرات والورق لصُحُفِهَا كي تظل باقيةً ليخيل بها على الناس مدعيًا أن هناك أحزابًا، لكن في ظل الواقع الجديد لن تحصل هذه الأحزاب على دعم مالي أو سياسي، وهي في الوقت نفسه ليس لها وجود جماهيري.. ولذلك فسوف تختفي من تلقاء نفسها.

وأتوقع أن يستفيد الإخوان من الواقع الجديد، ويكون لهم حزب سياسي يعبِّر عنهم، وإذا لم ينشئ الإخوان حزبًا فأتوقع أن يقوم إسلاميون مستقلون بتكوين حزب أو أكثر.

أما أهم حزب أتوقع إنشاءَه، فهو حزب شباب 25 يناير، الذين كانوا قادة الثورة ومفجِّرِيها، وهو حزب يجب أن يعبِّر عن الشباب وطموحاتهم وأفكارهم.

وأتوقع عودة حزب العمل وصحيفته "الشعب" لتعبر عن تجربة إسلامية جيدة طالما عبَّرت عنها في السابق.

ومن النقاط المهمة في موضوع الأحزاب أن يمنع الدستور والقانون رئيس الجمهورية من رئاسة أي حزب سياسي، حتى لا تتكرر كوارث الحزب الوطني وفساده.

ما هو شكل الإعلام الذي يجب أن يكون موجودًا في مصر كثمرة من ثمرات ثورة 25 يناير؟

من أسوأ ما أغاظ المصريين من نظام مبارك هو إعلامُه الفاسد الكاذب، الذي يزيِّف الحقائق ويروِّج للأباطيل، ولذلك فإنه من الأهمية بمكان إلغاء وزارة الإعلام، وإطلاق حرية إصدار الصحف والمحطات الإذاعية والتليفزيونية، وفق قوانين عادية، كما هو الحال في بلاد العالم. ونتوقع أن يتمكن كثير من الناس والتيارات من إصدار صحف ومجلات تعبِّر عنهم، وسوف يؤدي ذلك إلى منافسة ستكون في صالح القارئ المصري، وسوف تتحقق المنافسة، لأن الذي كان يحول دونها كانت القوانين المتعسفة التي كان يفرضها النظام السابق عنوة.

لن يستطيع الإعلام المصري أن يخاطب الناس بعد الثورة بالأساليب البالية القديمة، وإنما لا بد أن ينافس التليفزيون المصري قناة الجزيرة، هذا هو المفترض، لكننا نتوقع ألا يحدث ذلك، كما نتوقع أن تتحرر الصحف والمجلات الحكومية، لكننا لا نتوقع أن تصل إلى المستوى الذي يرضينا. ولذلك فلا بدَّ من تغيير قوانين ملكية الصحف ووسائل الإعلام.

وأتوقع أن تتغير خريطة الفضائيات الحالية، وأن تنحسر الأضواء عن كثير من الوجوه التي سقطت بعدما كشفتها الثورة وأظهرت كذبها وانتهازيَّتَها وتلوُّنَها.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - منصووور ًصباحا 11:51:00 2012/04/23

    وبعد مضي مدة من الزمن هل لا زال رأي الكاتب الكريم كما هو ؟ الجيش وقادته سيلبون مصالحهم ومصالح اسيادهم أولاً ومن ثم مصالح الشعب والتي هي اصلاً تتعارض كلياً مع مصالح الاسياد

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف