آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

طارق الزمر: إهمال الدعوة أكبر أخطاء الإسلاميين بعد الربيع العربي

الاثنين 20 ذو الحجة 1433 الموافق 05 نوفمبر 2012
طارق الزمر: إهمال الدعوة أكبر أخطاء الإسلاميين بعد الربيع العربي
طارق الزمر
 

الدكتور "طارق الزمر" واحد من أبرز رموز الحركة الإسلامية خلال العقود الثلاثة الماضية، بل إنَّه قد يكون من الشخصيات القليلة داخل التيار الإسلامي التي ألمت بجميع مفردات العمل السياسي، وأجادت توظيفه لخدمة تياره وجماعته بشكل انعكس على النجاحات التي حققتها الجماعة الإسلامية وذراعها السياسي "حزب البناء والتنمية" رغم حداثة التجربة.

وفي حواره مع "الإسلام اليوم" تطرق "الزمر" إلى أزمة النائب العام، مطالبًا الرئيس مرسي بإصدار تشريع يحدد مدة النائب العام لأربع سنوات لتجاوز هذه الأزمة، مستغربًا بشدة موقف القوى العلمانية التي دفعتها خصومتها مع الإخوان المسلمين والدكتور مرسي لتبني موقف مغاير للإجماع الوطني بإبعاد هذا الرجل، الذي شكل طوق النجاة لرموز النظام السابق للإفلات من أي عقاب على جرائمهم في الوطن والثوار.

ويرى "الزمر" مع ذلك أنَّ عودة النائب العام لا تنهي الأزمة بل تكاد فصولها تبدأ؛ فكل القوى الإسلامية والوطنية الشريفة ستواصل ضغوطها لإقالته بالرهان على الضغط الشعبي باعتبار أنَّ بقاء هذا المنصب بعيدًا عن معسكر الثورة يغل اليد عن اقتحام حصون الفساد ودفن النظام السابق بشكل تام.

نَبَّه "الزمر" على أهمية أنْ يتصرف الرئيس مرسي كقائد ثورة وليس كرئيس الجمهورية، باعتبار أنَّ إدارة المشهد وفق المنصب الرسمي ستكون له عواقب وخيمة، مقرًا في الوقت نفسه، أعترف بوقوع أخطاء في جمعة كشف الحساب استغلتها فلول النظام السابق للاعتداء على المتظاهرين وإلصاق الاتهام بالإخوان المسلمين.

وفي السطور التالية التفاصيل الكاملة للحوار:

تسود حالة من السجال السياسي الساحةَ المصرية بعد تراجع الرئيس محمد مرسي عن إبعاد النائب العام عن منصبه...

قرار الرئيس مرسي بإقالة أو إبعاد النائب العام أو نقله للعمل سفيرًا للفاتيكان- كان استجابةً للرغبات الشعبية التي لم تُخْفِ سعيها منذ سقوط نظام مبارك لإبعاد هذا الرجل عن منصبه، وكان من شروط القرار ضرورة قبول النائب العام به؛ فما كان من الأخير إلَّا الموافقة على إعفائه من منصبه والعمل سفيرًا لمصر في الخارج، ثم سحب هذه الموافقة مما أشعل الأزمة.

وأنا هنا لا أستطيع تجاهل الضغوط التي تعرَّض لها النائب العام من جانب فلول وبقايا النظام السابق للبقاء في منصبه؛ ليظل حاميًا لهم وطوق نجاة للإفلات من الجرائم التي ارتكبوها في حق الشعب المصري.

وخروجًا من هذه الأزمة، فليس من المطلوب من الرئيس مرسي إلَّا إصدار تشريعٍ يحدد مدَّة النائب العام بأربع سنوات، بشكل يجعل مصر تتجاوز هذه الأزمة بأقل الخسائر، لاسيما أنَّنا كنا نفضل الرهان على الزخم الشعبي في إبعاد المستشار عبد المجيد محمود من منصبه وممارسة أقصى الضغوط عليه لإقناعه بالاستقالة دون أنْ تُلقي الرئاسة بكل ثقلها خلف قرار النقل، فيما تشترط ديباجته وموافقته على هذا الأمر.

باعتقادك هل انتهت الأزمة بتراجع الرئيس وعودة النائب العام إلى مكتبه؟.

الأزمة لم تنتهِ، بل تكاد فصولها أنْ تبدأ لاسيما أنَّ هناك جهودًا للتنسيق بين القوى الإسلامية والوطنية الشريفة لإيجاد حشد شعبي لإقناع النائب العام بالاستقالة، في إطار تحرك أوسع لتطهير مؤسسات الدولة من فلول النظام السابق، خصوصًا أنَّ التطور الذي أخذته أزمة إبعاد النائب العام ثم عودته بهذه الطريقة قد وفَّرت فرصةً لفلول النظام السابق للعودة للمشهد، والحديث عن تحقيقهم انتصارًا في المعركة مع الرئاسة، وهذا ما لا يمكن أنْ نسمح به حيث سنكثف تحركاتنا لإحباط هذه المساعي، مستندين إلى حالة الغضب الشعبي المتصاعد جرَّاء تراجع الرئيس عن قراره بإبعاد النائب العام.

هزيمة وخصومة

غير أنَّ البعض اعتبر التراجع هزيمة لحقت بالرئيس مرسي والقوى الإسلامية الداعمة له بعد عودة النائب العام لمنصبه...

لا أتصور ذلك؛ فالهزيمة لحقت فعلًا ولكنْ بالتيار العلماني الليبرالي الذي لم يستطع أنْ يحسم خياراته ودفعته الخصومة السياسية مع الرئيس مرسي والإخوان للوقوف في خندق الفلول ومعارضة قرار إبعاد النائب العام رغم أنَّ إبعاده كان مطلبًا شعبيًّا بامتياز منذ سقوط نظام مبارك وبرغم إدراك هذه القوى حجم تجاوزات النائب العام في حق الوطن والثورة والتي أدَّت لإخلاء ساحة مجرمي وسفاحي النظام السابق والوقوف حائط صد ضد إدانتهم.

تقييمك للموقف لا يتناسب مع السجال السائد في الساحة السياسية بين القوى الإسلامية والليبرالية والعلمانية منذ فترة...

طالبنا كثيرًا بوجود أعلى درجات التنسيق السياسي مع جميع القوى الوطنية الشريفة لتحقيق أهداف الثورة، وأنْ تترفع هذه القوى عن أجندتها الخاصة- لمدة عشر سنوات على الأقل- لضمان نجاح الثورة وتحقيق أهدافها، بعدها يظهر كل طرف هذه الأجندة، التي تطرح وقتها على الشعب لتقييم كل توجه من خلال صندوق الاقتراع، أمَّا الخلافات الشديدة السائدة حاليًّا فلا أعتقد أنَّها تصب في مصلحة الثورة من قريب أو بعيد.

ومن هنا أدعو وبقوة إلى إعادة فتح نوافذ الحوار بين جميع القوى السياسية والإسلامية للضغط على النائب العام، لاسيما أنَّ الثورة لن تنجح دون أنْ يكون لها أداة قانونية تقتحم حصون الفساد، وهي إلى الآن- وبعد أكثر من عام ونصف على إسقاط النظام- مازالت تفتفد هذه الذراع.

خلط أوراق

الدعوة للحوار قد لا تتناسب مع الأجواء التي شهدتها جمعة "كشف الحساب" وما نجم عنها من مواجهات...

كما أكَّدت، كان من الأفضل أنْ يتوجه المتظاهرون من الإخوان وغيرهم إلى مكتب النائب العام لحشد الرأي العام ضده ودفعه للاستقالة، ودعوة المتظاهرين في "جمعة كشف الحساب" للانضمام إليهم، ولكنِّي أعتقد أنَّ خطأ ما وقع بحسن نية؛ حيث تصوَّر الإخوان أنَّ حكم "موقعة الجمل" قد وحَّد الجميع في إطار السعي لإقالة النائب العام، وأنَّ المكان المناسب للاحتجاج على ذلك هو "ميدان التحرير"، ولكنْ ما حدث من خلط للأوراق سمح لطرف ثالث أو وجوه غريبة لا يعرفها أحد من الميدان بالاندساس بين المتظاهرين والاعتداء عليهم بشكل صَبَّ في خدمة الثورة المضادة.

انتصار الشعب

ضمن ما أَطلقتَ عليه "خلط الأوراق" واجهتَ شخصيًّا- خلال الفترة الأخيرة- حملةَ تشويهٍ شديدة وانتقادات لاذعة؛ لمشاركتك في احتفالية نصر أكتوبر بإستاد القاهرة...

هناك جهات في مصر لا هدف لها إلَّا اختلاق قضايا وهمية وسجالات سياسية؛ للتأثير على المسار العام للأوضاع في الدولة، وربَّما جاءت الحملة على حضوري الاحتفالية للشوشرة على الخطاب الناجح للدكتور محمد مرسي في الإستاد، والتعاطي الإيجابي لجموع الشعب مع هذا الخطاب، ولكني في الحقيقة أستطيع أنْ أقول: إنَّ حضوري هذه المناسبة جاء احتفالًا بانتصار الشعب المصري وشجاعته في إلحاق الهزيمة بالعدو الصهيوني، وبالمقاتل المصري الذي دكَّ حصون إسرائيل، وفي تصوري أنَّ هذا النصر لا يمكن أنْ ينسب للرئيس الأسبق وحده؛ فهناك أبطال كثيرون لهذا النصر لاسيما أنَّهم لم ينقلبوا عليه ويفرغوه من مضمونه.

لعلك تقصد الفريق أول "سعد الدين الشاذلي" رئيس أركان حرب القوات المسلحة حينذاك...

بالطبع نعم؛ فالفريق الشاذلي حمل على عاتقه عبء الإعداد للمعركة وتهيئة وحدات الجيش لها باقتدار وكفاءة، ويكفي أنَّه من أصدر الأوامر بالقيام بالضربة الجوية التي أذلَّنا بها مبارك طوال الثلاثين عامًا الماضية، دون أنْ يذكر لنا مَنْ أصدر له الأوامر وجهَّز له الخطط للقيام بها بوصفه رئيسًا للأركان، بل إنَّ المخلوع لم يكتفِ بتجاهل دور قائده الشاذلي بل أمعن هو وسلفه في إهانة الرجل وإجباره على الخروج للمنفى، بل واقتياده إلى السجن حينما وطأت قدمه الطاهرة أرض مصر ورفض العفو عنه.

سعيك لإعادة الاعتبار للفريق أول "سعد الدين الشاذلي" جرَّ عليك الغضب والانتقادات التي كان آخرها مطالبة "محمد أنور عصمت السادات" لك وللشيخ "عبود الزمر" بالكف عن الإساءة لعمِّه...

لا أريد الدخول في معارك شخصية وجانبيه أو أفنِّد اتهامات، بل علينا جميعًا في مصر بعد الثورة ألَّا نكرر خطيئة "تأليه الحكام"، خصوصًا إذا بَدَرَ منهم أي شكل من أشكال العدوان تجاه شعبهم، وأنا في هذا المقام أدعو مراكز البحث الرصينة والمفكرين الكبار لعمل تحليل مضمون لخطابات السادات بين عامي 1977م إلى 1981م؛ ليرصدوا مدى الديكتاتورية والنزعة الاستبدادية التي تمتع بها الرجل، وحجم استهانته بمشاعر الشعب المصري والأمتين العربية والإسلامية في خطابه الإعلامي السياسي، حتى وصل الأمر بالرجل إلى أنَّه تسبب في أنْ تكون مصر مستبعَدة من الجامعة العربية ومستبعَدة عن منظمة مؤتمر العالم الإسلامي, بل إنَّه كان يعاني حالة نقمة شعبية غير مسبوقة في مصر بعد قرارات سبتمبر واعتقال كافة رموز العمل السياسي والدعوي في زنازينه.

من ثَمَّ فلا يتصور أحد أنَّ السادات كان يتمتع بأي قدر من الديمقراطية إلَّا إذا كنا نسلم بالأنياب التي غرسها في أجسادنا من خلال ديمقراطيته.

ولكنْ هل يمكن لعصور الاستبداد أو الديمقراطية ذات الأنياب أنْ تعود لمصر مجدَّدًا؟.

لاشك أنَّ الثورة قد غيَّرت في جينات الشعب المصري، ولا شك أنَّها قد تجاوزت بمصر عصور الاستبداد، ووضعت كل العقول النابهة أمام تحدي رسم مستقبل جديد للبلاد؛ لذا فينبغي علينا:

الترفع عن الخلافات الشخصية، والنظر للمستقبل، والعمل على ترسيخ روح التعاون والتضامن، والتأكيد على ضرورة تسليم البلاد لأبنائنا دون أنْ نورثهم أي لون من ألوان الاستبداد أو أي صورة من صور المعاناة التي عانينا منها طوال العقود الثلاثة الماضية.

مسئولية علمانية

ما ذهبت إليه يتناقض مع حالة الاستقطاب التي تعاني منها مصر حاليًّا بل ووجود اعتقاد بتراجع زخم الثورة...

في تقديري إنَّ الشعب المصري ينبض بالحيوية ولازال قادرًا- بإذن الله- على استكمال أهداف ثورته، وما تتحدث عنه من استقطاب واحتقان هو مسئولية أصيلة للقوى العلمانية، والمسماة بالليبرالية الباحثة عن حسابات ذاتية ولا تنظر بشكل عام لمستقبل مصر؛ ولذا فأنا أستطيع أنْ أؤكِّد أنَّ هذا الجيل السياسي يحمل على عاتقه وفي رقبته مسئولية إنجاح هذه الثورة أو فشلها.

ولهذا فإنَّني أضع مسئولية هذه الثورة في أعناق الجيل الحالي، وأنبهه بأنَّه إذا أضاع منه هذا الكنز الإستراتيجي فإنَّ الأجيال التالية لن ترحمه أبدًا أنْ تغفر له.

غير أنَّ هذا الاستقطاب امتدَّ إلى الدستور الذي تُجرَى صياغته من قبل الجمعية التأسيسية...

معركة الدستور معركة مفتعلة، لاسيما أنَّ المسوَّدة الأولى لهذا الدستور- برغم تحفظنا على عدد من بنودها، من بينها الصياغة الحالية للمادة الثانية- يعد من أفضل الدساتير في تاريخ مصر؛ فيكفي أنَّه يتضمن نصوصًا تفوق قدرات الدولة المصرية عندما شدَّد على ضرورة التزام الدولة بالمسكن الملائم مثلًا لكل مواطن فضلًا عن أنَّ صياغة مواد الحريات العامة تعكس طموحات المصريين.

ومع هذا فنحن ينبغي علينا أنْ نتجاوز بسرعة معركة الدستور لنبدأ فورًا في بناء نظام سياسي رشيد، يستكمل تطهير مؤسسات الدولة من فلول النظام السابق، ويوقف نزيف المليارات المهرَّبة للخارج، التي يمكن في حالة عودتها أنْ توفِّر فرصة ممتازة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتنقذ فقراء مصر الذين عانوا طويلًا من القهر والاستبداد وسياسات الإفقار المتعمدة.

ألمحتَ لوجود تحفظات على الصياغة الحالية للمادة الثانية من الدستور...

أعلنا مرارًا وتكرارًا أنَّ النص الذي نميل إليه في صياغة المادة الثانية يتمثل في: التأكيد على أنَّ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، والابتعاد عن كلمة "مبادئ" التي استخدمت طويلًا دون مفهوم واضح بهدف تهميش دور الشريعة في الحياة السياسية في مصر طوال العقود الأربعة الماضية، وجعلتنا نقع في هذا التعريف الفضفاض، وأنا من هنا أدعو لتسوية سريعة لهذه الأزمة عبر الحوار بين جميع الأطراف؛ حتى لا تثير الأزمة في ظل تلويح عدد من التيارات الإسلامية بالتصويت ضد الدستور في حالة استمرار الصياغة الحالية للمادة الثانية.

من قضية الدستور والمادة الثانية ننتقل إلى قضية أخرى وتتمثل في: حالة التباين داخل الساحة السياسية تجاه أداء الرئيس مرسي طوال المائة يوم الماضية، كيف قرأت الجماعة الإسلامية هذا الأداء؟.

لا يمكن الحكم النهائي على رئيس جمهورية خلال شهرين أو ثلاثة؛ باعتبار أنَّ الولاية القانونية الدستورية للرجل تصل لأربع سنوات، وخلال هذه المدة أعتقد أنَّ الرجل قادر- بإذن الله- على تحقيق اختراق كبير في عديد من المعضلات التي تعاني منها مصر، غير أنَّ هذا يتطلب دعمًا شعبيًّا، وأنْ نعمل جميعًا لإنقاذ مصر ومعها الأجيال القادمة من النفق المظلم الذي وضعها فيه نظام مبارك "المجرم".

قائد ثورة

على ذكر مبارك تردَّدت أنباء عن وجود ضغوط للإفراج عنه لأسباب صحية، بل إنَّ بعض رموز الفلول تحدثوا عن احتمالات عودته للحكم...

مسألة الإفراج عن مبارك قد تكون واردة، ولكنْ من المستحيل تمامًا عودته للحكم؛ فالرجل مات إكلينيكيًّا من الناحية السياسية، وانتهت أي احتمالات بعودته للحكم أو لعب أي دور سياسي.

ومن جانبي أعتبر الحديث عن عودة مبارك نوعًا من الكوميديا السياسية من قبل الفلول المنتشين ببقاء النائب العام، وتبرئة رموزهم من واقعة الجمل، وهو أمر ينبغي السعي لإفشاله عبر تأكيد جميع القوى السياسية بأنَّ الثورة مستمرة، وهو أمر يفرض على الرئيس مرسي أنْ يتعامل مع الأوضاع في البلاد باعتباره قائدًا لهذه الثورة وليس مجرد رئيس للجمهورية، لاسيما أنَّ إدارة مرسي للعملية السياسية بعقلية رئيس الدولة تهدِّد بعواقب وخيمة؛ حيث يتطلب الأمر خطوات ثورية تنهي ترسانة التشريعات الباقية من عهد مبارك.

مصالح ضيقة

تُبدون دفاعًا شديدًا عن مواقف الإخوان المسلمين، ولعبتم دورًا مهمًّا في دعم الدكتور مرسي في معركته الرئاسية إلَّا أنَّه تَمَّ تجاهلكم بشكل تام في جمع تعيينات المجالس العليا والمتخصصة...

الحقيقة ورغم تحفظنا على طريقة إدارة الحكومة الحالية للعَلَاقة مع القوى السياسية المختلفة، خصوصًا ما يتعلق بالتعيينات في هذه المجالس- إلَّا أنَّنا نؤكِّد أنَّ المرحلة الحرجة التي تمر بها مصر بعد الثورة تحتاج منَّا أنْ نتخلى عن حساباتنا الذاتية والحزبية، ونترفع عن التعامل مع هذا التجاهل باعتباره إهانة؛ فالهدف الأهم حاليًّا هو تحقيق أهداف الثورة، وهو أملٌ لن يتحقق إلَّا إذا تخلَّى كل فصيل عن مصالحه الضيقة، وتجنب البحث عن المغانم في وقت لا مغانم فيه.

تحاول دائمًا تجاوز المطبات لدرجة أنَّك لم تذكر الإخوان أو الرئاسة، وكأنَّ الجماعة الإسلامية قد تعهدت بتقديم دعم مفتوح ومجاني للطرفين...

نحن نترفع عن البحث عن الغنائم ومع هذا فقد استنكرنا- فقط كجماعة وذراعها السياسي حزب البناء والتنمية- تجاهُل مرشحينا ورموزنا في تعيينات المجلس القومي لحقوق الإنسان، لاسيما أنَّ هناك إجماعًا على أنَّ الجماعة الإسلامية هي أكبر فصيل عانى من الاضطهاد والتصفية على مدى ثلاثة عقود؛ ولذا فمرشحونا سيكونون الأكثر جدارة وخبرة في وضع قواعد وتشريعات تمنع اضطهاد الإنسان وحرمانه من أبسط حقوقه.

خطأ فاحش

عاب الكثيرون على الإسلاميين انخراطهم التام في العمل السياسي بشكل أثَّر بالسلب على مسار الدعوة الإسلامية...

أحد أخطر السلبيات التي وقعت فيها الحركة الإسلامية يتمثل في: تراجع دورها الدعوي وتراجع اهتمامها بهذا المجال الحيوي، الذي يمثل الغطاء الإستراتيجي للتيار الإسلامي.

وصحيح أنَّ التطوُّرات السياسية في مصر- في مرحلة بعد الثورة- فرضت الحضور المكثف في الشارع، ونوعًا من التفاعل السياسي مع مختلف قضايا الهمِّ العام، إلَّا أنَّ العديد من القوى الإسلامية قد تنبهت لهذا الخطأ؛ رغبة في استعادة أرضيتها الدعوية، لاسيما أنَّ الأخيرة كانت من أهم أسباب انتشار هذه الحركات واكتسابها شعبية جارفة في المجتمع.

ناهيك عن أنَّ الدعوة الإسلامية تشكِّل رافعة للشعب للتغلب على مشكلاته المتفاقمة ومساعدته على مواجهة منظومة القيم الفاسدة التي أرساها نظام مبارك المخلوع.

المسار الصحيح

ولكنْ، هل توجد مؤشرات على جهوده لاستعادة الدعوة الإسلامية لزخمها؟.

أعتقد أنَّ هناك نوعًا من اليقظة داخل الحركات الإسلامية؛ لخطورة التراخي في مسيرة الدعوة، وألمس توجهًا داخل الجماعة الإسلامية ورغبة في استعادة هذا الدور حيث شهد الأسابيع الأخيرة تنظيم عدة مؤتمرات في مختلف أنحاء الجمهورية لنصرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- والتي أعتبرها مقدمة لوضع الدعوة الإسلامية مجدَّدًا على مسارها الصحيح.

على صعيد الجماعة الإسلامية أخذ البعض عليها سيطرة اتجاه معين على دوائر صنع القرار السياسي والدعوي، وتجاهل أدوار شخصيات محورية في مسيرة الجماعة...

الجماعة الإسلامية تتمتع بتنوُّع فريد بين قادتها وكوادرها على كافة المستويات، لهذا نجد أنَّ قطاعًا مهمًّا داخلها انخرط في العمل السياسي، وآخر ركَّز على الدور الاجتماعي، وثالث قصر دوره على المجال الدعوي، وجميع هذه القطاعات تحكمها قيادة أعلى تدير هذا التنوع بشكل يثري المجتمع المصري، ويدعم وجود الجماعة في الساحة...

أمَّا فيما يتعلق ببعض القيادات التي جمَّدت نشاطها فأؤكِّد أنَّ الجماعة لديها قدرة كبيرة على استيعاب جميع أبنائها وكوادرها.

غير أنَّ محاولات بُذلت لتسوية بعض الخلافات داخل الجماعة الإسلامية لم تحقق نتائج جيدة...

إذا كنتَ تقصد محاولات إعادة المياه إلى مجاريها بين مجلس الشورى الحالي وعدد من القيادات التاريخية مثل: الشيخ "كرم زهدي" والدكتور "ناجح إبراهيم"- فالحقيقة أنَّهما يتمتعان بقدر كبير من الاحترام والتقدير بين أبناء الجماعة، لكنهما فَضَّلَا الابتعاد عن العمل التنظيمي وانخرطا بشكل واضح في العمل الدعوي والفكري، بل ورفض الشيخ كرم زهدي تصعيده لعضوية مجلس الشورى، بعد مقاطعة الشيخ ناجح لاجتماعات المجلس لمدة تزيد على عام.

وأعتقد أنَّ رفضهما العودة قد ينسجم مع تفضيلهم الانخراط في العمل الدعوي دون التنظيمي، ناهيك عن أنَّ جهودًا مكثفة قد بُذلت لإعادة تفعيل دور الهيئة التأسيسية بشكل يضمن مشاركة قيادات الجماعة التاريخية في دوائر صنع القرار.

وفيما يتعلق بما أسميته "جلسات المصالحة" فإنَّ هذه الجلسات حقَّقت نتائج طيبة غير أنَّ عددًا من التطورات أوقفتها، وسيجري استئنافها خلال المرحلة القادمة.

إقصاء وتصفية

يأخذ عدد من المراقبين على الجماعة عدم امتداد شعبيتها خارج محافظات الصعيد، رغم أنَّ القاهرة تضم عددًا لا بأس به من رموزها وقادتها إلَّا أنَّ انتشارها بقي محدودًا في القاهرة والدلتا...

الجماعة الإسلامية تتواجد في جميع محافظات الجمهورية، صحيح أنَّ ظروف نشأتها وانحدار أغلب مؤسسيها من محافظات الصعيد قد جعلها تكتسب أرضية كبيرة في هذه المنطقة، إلَّا أنَّ التوجُّه داخل الجماعة حاليًّا يسير في إطار امتداد مظلتها على معظم أنحاء الجمهورية، في ظل الخطاب الوسطي المتزن الذي تتبناه الجماعة وذراعها السياسي "حزب البناء والتنمية"، والذي انخرط في نشاط مكثف في معظم أنحاء الجمهورية تدعمه تجربة الجماعة الإسلامية بعد تأسيسها؛ حيث نجحت في اكتساب أرضية في جميع محافظات الجمهورية وحركت المياه الراكدة مما جعل مبارك يضعها في حساباته، ويحرك أجهزته لاستئصالها وتصفية قادتها ورموزها لعقود طويلة.

منذ عدة أشهر التوتر يتصاعد في سيناء وتتناثر اتهامات للسلفية الجهادية بالتورُّط في الأحداث، في وقت خرجتم بتصوُّر لمؤسسة الرئاسة حول سبل حل الأزمة...

ما يجري في سيناء يُحزن كل مصري ونتمنى ألَّا تتدهور الأوضاع أكثر مما هي عليه الآن، حيث وجهنا دعوات لجميع أبناء سيناء للتنبه لمخططات الأعداء لتحويلها إلى ثغرة للنفاذ منها إلى الداخل وتحقيق أطماعه، ويطالبهم بالعمل مع الدولة والقوى السياسية لسد هذه الثغرة.

وفي هذا السياق طرحنا تسوية شاملة للأزمة بضرورة المزاوجة بين الحل السياسي التنموي الشامل وبين المعالجة الأمنية، وتقديم حلول لكافة المشكلات التي تعاني منها سيناء، التي حولها النظام السابق لأرض محروقة، وتبني إستراتيجية لاستئصال الفقر المستشري في سيناء، والتوسع في إنشاء مؤسسات تعليمية هناك، خصوصًا الأزهرية؛ لتكريس الفكر الوسطي والابتعاد عن الأفكار المتشددة، فبهذا التصور الكامل يمكن أنْ نضع حدًّا للتوتر المشتعل في هذه البقعة الغالية على قلب كل مصري.

العمل السلمي

في المقابل، أثار تورُّط بعض العناصر الجهادية في أحداث رفح جدلًا حول علاقة الجماعة الإسلامية بعناصر تابعة لتنظيم القاعدة...

ليس هناك أي علاقة للجماعة الإسلامية بالقاعدة، رغم اعتقادي بعدم وجود عناصر للقاعدة إلَّا إذا كان البعض يعتبر التيار السلفي الجهادي امتدادًا للقاعدة، ومع هذا فنحن ننصحهم بمراعاة ظروف مصر والمحيط الإقليمي، والانتباه إلى أنَّ نجاح ثورات الربيع العربي قد وضع نهاية للعمل المسلح، وإعاد الاعتبار للعمل السلمي المنظم لتخليص المنطقة من القهر والاستبداد.

تقترب البلاد من إعداد دستور والانخراط في انتخابات البرلمان، فما حجم استغلالكم لهذا الاستحقاق وشكل خارطة التحالف التي تنوون تدشينها؟.

الجماعة تستعد لهذه الانتخابات منذ تراجع الآمال بعودة مجلس الشعب، حيث نظمت دورات تدريبية لكوادرها لتأهيلهم وتحسين قدراتهم للتفاعل مع الجماهير وإدارة حملاتهم الانتخابية، وهناك توجه لخوض الانتخابات في مختلف دوائر الجمهورية لاسيما في الصعيد، وترشيح عدد لا بأس به من رموز الجماعة الإسلامية، غير أنَّنا ننتظر الاستفتاء على الدستور وإقرار قانون الانتخابات لتحديد شكل تحالفاتنا الانتخابية، ونأمل في وجود أعلى درجات التنسيق للتحالف مع بعض القوى الإسلامية والوطنية الشريفة إلَّا أنَّ هذا الأمر لم يتم أخذ خطوات جادة فيه حتى الآن؛ انتظارًا لصدور قانون الانتخابات رغم استمرار التحالف السياسي مع عدد من القوى الإسلامية.

في هذه الأجواء شهدت الساحة السياسية نوعًا من التحالفات منها: التيار الشعبي وتحالف الأمة وغيرها ألَا يدعو هذا الحركات الإسلاميين لتدشين تحالفات مشابهة؟.

سنظل منفتحين على جميع القوى الإسلامية والوطنية، وفيما يتعلق بتدشين تحالفات موازية للجاري تأسيسها حاليًّا فالأمر يبدو أسهل للتيار الإسلامي باعتباره يشكل كتلة واحدة بمعايير التكتلات، ولكنْ يبقى التنسيق العملي على الأرض معلقًا حتى الآن.

كيف نظرتم إلى الغارة الجوية الإسرائيلية على مصنع اليرموك بالسودان؟.

الحقيقة أنَّنا نرى إسرائيل على طبيعتها- كما هي- فهي كيان عدواني إرهابي لا يحترم القانون الدولي، ولا يعتد بغير القوة؛ لهذا فإنَّنا نرى ضرورة حشد موقف عربي وإسلامي يرسل لإسرائيل رسالة مفادها:

أنَّها اليوم تواجه عصرًا جديدًا هو عصر الثورات العربية، وتواجه جيلًا جديدًا لن يقبل غطرستها وتجرُّئها على الدماء العربية.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - قمحاوي مساءً 12:30:00 2012/11/07

    حسنا فعل الدكتور الزمر عند ما اقر بتجاهل الاسلاميين للدعوة بعد سقوط المخلوع ليت الحركات الاسلامية تعمل علي استعادة دورها الدعوي وتكف عن الصراعات السياسية والمكاسب الانتخابية فالدعوة هي من حققت لهذه الجمعيات شعبية وتخسر كثيرا اذا فقدت هذا الدور

  2. 2 - صالح عامر مساءً 12:54:00 2012/11/07

    الجماعة الاسلامية وحزبها البناء والتنمية مطالبون بتبني زمام المبادة والعمل علي تخفيف حدة التوتر في سيناء في ظل ارتباط قادة الجماعة بصلات مع الاف السيناويين الذين كانوا ضيوفا دائمين علي سجون مبارك لذا فعلي الجماعة عدم انتظار رد الرئاسةوالذهاب علبلي سيناء لنزع فتيل التوتر

  3. 3 - مصر تحترق مساءً 01:05:00 2012/11/07

    الاوضاع في مصر تسير من سيئ لأسوا وانقسام الاسلاميين الي احزاب وشيع سيمزق البلاد ويقدم فرصة ذهبية للفلول للعودة لصدارة المشهد لذا فلا سبيل الي توحيد الصف الاسسلامي

  4. 4 - المقدامي مساءً 05:26:00 2012/11/07

    اناشد الغيوريين علي الجماعة الاسلامية ان يدعموا وحدة الصف داخل الجماعة ويعيدوا اليها طيورها المهاجرة وانبا هنا لا اقصد الشيخ كرم والشيخ ناجح فقط ولكن جميع ابناء الجماعة الذين غادروها خلال العقود الماضية في ظل تعويل الكثيرين علي الجماعة كفصيل اسلامي يتمتع بمواقف مبدائية ويعول علي الدكتور طارق الزمر واخوانه للعب دور مهم

  5. 5 - فارس العراقي مساءً 07:11:00 2012/11/07

    يبدو ان قطاعا من الاسلاميين قد قدموا الضوء الاخضر للاخوان المسلمين ليفعلوا ما يشاءون وكان الاخوان اوفياء لطابعهم اذا كانوا بحاجة اليك قبلوا الارض من تحت اقدامك واذا انتهت حاجتهم قذفوك بال.... لذا اعتقد ان الاسلاميين سيدفعون ثمنا غاليا لهذا الخضوع وعليهم التيقظ لالاعيب الجماعة

  6. 6 - اسلام صبري مساءً 02:07:00 2012/11/08

    اشيد هنا بتمسك الجماعة الاسلامية بنصرة الشريعة والاصرار علي انفاذ مليونيتها رغم نكوص الاخوان والسلفيين وهذا ما عاهدنها في الجماعة وشجاعتها واقدامها في الحق والدفاع عن شرع الله

  7. 7 - ضياء مساءً 05:32:00 2012/11/08

    مليونية نصرة الشريعة ستكون حدثا فاصلا في التاريخ السياسي للجماعة الاسلامية فاصرار الجماعة علي اتمام المليونية يعكس غيرة قادتها وكوادرها علي الشريعة وتصميمهم علي تحدي مقاطعة السلفيين والاخوان لهذه المليونية بشكل يؤكد ان الجماعة تخلت عن دور السنيد وتحولت لفصيل سياسي قوي

  8. 8 - مليونية ناجحة مساءً 08:22:00 2012/11/10

    اهنئ الجماعة الاسلامية وحلفائها علي مليونية التاسع من نوفمبر فقد كانت مليونية ناجحة وبكل المقاييس وقدمت دليلا علي وجود تيار ثالث قد يستطيع تجاوز الاخوان والسلفيين او اضعاف سيطرتهم علي الساحة الاسلامية

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف