آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

د. كاريتش: الاستنساخ البشري حرب عصابات يشنها العقل العلماني

الخميس 22 ذو القعدة 1429 الموافق 20 نوفمبر 2008
د. كاريتش: الاستنساخ البشري حرب عصابات يشنها العقل العلماني
 

يُعدّ الدكتور أنس كاريتش العميد السابق لكلية الدراسات الإسلامية في العاصمة البوسنية سراييفو، من الطاقات الفكرية الإسلامية المتميزة في منطقة البلقان؛ إذ يتصف إنتاجه الفكري والعلمي بالعمق والتنوّع، خاصة فيما يتعلق بقضايا العولمة وصراع الحضارات والاستنساخ وغيرها من القضايا المعاصرة، وهو ما أهّله لتولي العديد من المناصب العلمية والأكاديمية.


وفي هذا الحوار، تغوص شبكة (الإسلام اليوم) مع الدكتور أنس كاريتش بحثاً عن الجذور الفلسفية التي تقف وراء ما يروّج له البعض بشأن قضية "الاستنساخ البشري"، حيث يشدّد كاريتش على أن مؤيدي هذا المشروع ينتهكون المعايير الثلاثة التي قامت عليها الحضارات الإنسانية بمختلف مشاربها، وهي: الاعتدال والحدود والكلية، ثم يمضي شارحاً المقصود بكل معيار، وماذا يعني انتهاكه.


ويلفت د. كاريتش – في سخرية- إلى أن أنصار الاستنساخ البشري يحاولون عبثاً استخدام التقنية بغرض طرد الموت أو تأجيله إن تعذّر طرده، موضحاً أن الأديان – بالفعل- تؤكد على وجود الخلود، ولكن الوصول إليه يكون عبر الموت.


        د. أنس كاريتش ولد في 16 مايو 1958م بمدينة ترافنيك البوسنية، حيث تلقى تعليمه الابتدائي، ثم انتقل إلى معهد (الغازي خسرف بك) بسراييفو عام 1978م. ثم التحق بكليتي العلوم السياسية والدراسات الإسلامية في نفس الوقت، وقد تخرج من الأولى سنة 1982 م بعد أن نال الإجازة من الثانية قبل ذلك التاريخ بعام.


       وحصل كاريتش على الماجستير من كلية الآداب والفلسفة سنة 1986م، ثم نال الدكتوراه حول "تحديات ترجمة القرآن الكريم" من جامعة بلجراد عام 1989 م. وفي 1999م أصبح أستاذاً لكرسي التفسير بكلية الدراسات الإسلامية، وانتخب سنة 2003 م عميداً للكلية. وهو رئيس هيئة تحرير حوليات مكتبة الغازي خسرف بك في سراييفو، وعضو الأكاديمية الملكية في الأردن. وللدكتور كاريتش عدة مؤلفات منها "ترجمة معاني القرآن الكريم"، و "مدخل إلى علوم التفسير"، و "حقوق الإنسان في سياق الصراع بين الإسلام والغرب" و "الأصولية الإسلامية.. ما هي؟" و "الشريعة الإسلامية في المجتمعات الحديثة".


إلى النص الكامل للحوار:


 


*أنتم إحدى الشخصيات الإسلامية في البلقان المهتمة بالمواضيع المعاصرة، مثل: العولمة، وصراع الحضارات، والاستنساخ، وغيرها. فكيف تنظرون لهذا الأمر؟ وهل قدمت الجهات الإسلامية الردود المناسبة على مثل هذه المستجدات؟


*يقتصر تعامل الأوساط الدينية عموماً، مع قضية "الاستنساخ البشري، في أغلب الأحيان على مناقشتها من وجهة النظر الأخلاقية. وفي الكتب العصرية لعلم الكلام الفلسفي والديني تتركز الأدلة المناهضة لاستنساخ الإنسان في ثلاثة معايير لا يأخذها المؤيدون لاستنساخ الإنسان بعين الاعتبار، وتلك المعايير الثلاثة هي: معيار الاعتدال، ومعيار الحدود، ومعيار الكلية.


النواهي والأوامر


هل يمكن أن تشرحوا لنا هذه المعايير، لا سيما أن الثورة العلمية في العصر الحديث بلغت شوطاً كبيراً، وهناك من يريد أن تكون بلا معايير سواء كانت أخلاقية أو غيرها؟


*عندما يدور النقاش اليوم حول المزايا التي تمتاز بها حضارتنا الحديثة مقارنة مع الحضارات القديمة في بابل ومصر والهند والصين واليونان، أو عن الحضارتين الإسلامية والغربية في القرون الوسطى، فمن الممكن تقديم إجابات صحيحة جداً بل وحقيقية، لكن ولكي نحصل على إجابات سديدة، لا بد لنا أن نتفق على المعايير التي سنقوم على أساسها بمقارنة حضارتنا الحديثة مع تلك الحضارات القديمة.


     فإذا بدأنا من معيار الاعتدال الذي دعت إليه جميع الأديان في الحضارات القديمة، فسوف يتبين لنا أن هذا المعيار في الحضارات القديمة كان سبباً ليس فقط في حماية الطبيعة من بغي الإنسان، بل إنه حمى أيضاً الطبيعة الإنسانية من بغي الإنسان نفسه.


      إن الفلاسفة ومعلمي الدين فيما يُعرف بـ "العصر المحوري"، أمثال سقراط وبوذا و كونفوشيوس وغيرهم، قد أدرجوا في تعاليمهم ومواعظهم الكثير من النواهي التي تبدأ بـ "لا!" و "ليتك لا!"، وهما تنصحان الإنسان بالحذر عندما يقدم على أي فعل؛ لأن المآسي التي تلحق بالبشرية بسبب فعل الإنسان هي أكثر بكثير مما يلحق بها بسبب عدم فعله. والدموع التي تذرفها البشرية بسبب نتائج التطبيق الشرير لعلم الإنسان، هي أكثر بكثير من تلك التي تذرفها بسبب سلبية الجهل.


ولا يقوم معيار الاعتدال بدون النواهي، ولذلك لا غرابة في أن تكون كافة الثقافات البشرية والأديان في العصور القديمة قائمة أولاّ على النواهي الموجهة إلى الإنسان. فالقرآن يتحدث عن الأوامر الإلهية وأمور منهي عنها. ومن المعروف أن الأمور التي يُنهى عن فعلها الإنسان بـ "لا!" و "ليتك لا!" لا تخفض من شأنه، بل إن انتهاء الإنسان عن فعلها يرفع من شأنه، ويزيد من تميزه واستقامته الأخلاقية في الأرض بين عوالم المعادن والنباتات والحيوانات.


    إن الله لم ينه المعادن وعوالم النباتات والحيوانات عن شيء، كما أنه لم يأمرها بشيء على النحو الذي يُؤمر به الإنسان. إن عوالم المعادن والنباتات والحيوانات، أو ما نسميه نحن بالطبيعة تعيش التوازن المطلوب، بل إنها هي التوازن نفسه.


      ولذلك فإن التوازن والاعتدال أمران يجب أن يُفرضا فرضاً على الإنسان، ويجب أن يُؤمَر الإنسان بالعمل على تحقيقهما، وهذا يرجع إلى أن الإنسان ليس كائن الضرورة والطبيعة فقط، بل إنه كائن الحرية والثقافة. وبمختصر العبارة أراد الله بهذه المحرمات الكثيرة كبح جماح الإنسان؛ لأن ذلك الإنسان ليس كائن الطبيعة فقط، وليس كائن حيزٍ ضيق من الطبيعة، بل إنه كائن كوني، وهذا يعني أنه كائن يتمتع بالكثير من الإمكانات والقدرات، منها الإيجابي والسلبي، ومنها ما هو حيادي أخلاقياً.


      ومن الراجح أن تلك الإمكانات والقدرات، وتلك العلاقة المشتركة المتعددة الجوانب بين الإنسان والكون، هي سبب هذا العدد الكبير من الحرمات الدينية التي فُرضت على الإنسان، وهذه المحرمات تقف بين يدي نظرة الإنسان وفعله وتفكيره كإنذار وتحذير.


     وببسيط العبارة، فإن كل الشرائع الدينية والنظم الأخلاقية والحقوق والقوانين قد وضعت في حياتنا كبشر لضبط تعاملنا فيما بيننا، بحيث لا نتصرف كما تفعل الطيور بالجراد والأسود بالغزلان والذئاب بالأغنام.


خيانة الاعتدال


*ما علاقة ما سبق بموضوع الاستنساخ؟


*إن إدانة استنساخ الإنسان اليوم من قبل الطوائف الدينية ذات التأثير العالمي، تقوم وقبل كل شيء على التراث القديم في الاعتدال، حيث يمثل استنساخ الإنسان تعدّياً صارخاً على كرامته، ويُنظر إليه على أنه حرب عصابات يشنها ذلك العقل التقني العلماني، المتحلل من المسؤولية ضد الطبيعة البشرية، كما يُعدّ استنساخ الإنسان تمادياً تنظر إليه الأدبيات الدينية المعاصرة على أنه تمرد على النظام الإلهي الذي وضعه الله سبحانه وتعالى، وجعله ملائماً لتُخلق المخلوقات فيه وتتوالد.


       وتؤكد الأدبيات الدينية المعاصرة على أن ديانات الحضارات القديمة قد اعترفت بالإنسان ككائن كوني، ولكن الكون الذي تنبع منه الوصايا الدينية يخبرنا بأن كونية الإنسان تتصف بالتناقض والخطورة، وأن امتداد السماء المزينة بالنجوم فوق رؤوسنا -والتي لا يعلم نهايتها إلاّ الله سبحانه وتعالى- يثير فينا حب الانطلاق لسبر أغوار المجهول والبعيد، ولكن القانون الأخلاقي بداخلنا يحذرنا من أن استخدام كافة الطرق والوسائل للوصول إلى ذلك البعيد أمر غير مسموح به.


    وحسب هذا المفهوم فإن اللجوء إلى استنساخ الإنسان والكائنات الحية الأخرى هو خيانة لمعيار الاعتدال، ذلك المعيار الذي يجب على الإنسان أن يعيش معه بانسجام في كوكبنا هذا.


 


*ذكرتم في بداية حديثكم ثلاثة معايير للحضارات الإنسانية، شرحتم منها معيار الاعتدال، فماذا عن معيار الحدود؟


*معيار الحدود يعبّر عن القانون الأخلاقي الموجود بداخلنا، لكن عندما نسمح له بأن يحذرنا. إنه العتبة الأخلاقية التي لا ينبغي تخطيها، وهي موجودة في الإسلام. إن الرسالة الرئيسة لتعاليم الدين هي أن توقظ في الإنسان معرفة الحد والمقدار، أي معرفة البديهة الأخلاقية التي لا جدال حولها، ويوجد في التراث الإسلامي أدبيات ثرية يجمعها عنوان واحد: "الحدود" التي لا يجوز لإنسان تخطيها.


      عندما نقرأ في القرآن الأوامر مثل إكرام الوالدين، أو النواهي مثل النهي عن الزنا، فإن تلك الأوامر والنواهي توقظ فينا معرفة الحدود، أي أن الأب يمثل حدًّا لا يجوز للابن تجاوزه، والابن أيضاً يمثل بالنسبة للأب حداً لا ينبغي له تجاوزه، والأم بأمومتها تمثل حداً للابن، وهي تسهر على ذلك الحد وترعاه لمجرد كونها أُمّاً.


       إن أي خروج عن هذه العلاقة يُعدّ تجاوزاً للحدود، فلا يمكن للأم أن تصبح زوجة لابنها، كما لا يجوز للأب أن يكون زوجاً لابنته. كما أن تحويل الذكر إلى أنثى أو الأنثى إلى ذكر إنما هو تعدٍّ على الحدود، وعلاقة الذكر الجنسية بذكر مثله، أو الأنثى بأنثى مثلها إنما هو تعدٍّ على الحدود.


التعاليم الدينية حول هذه الحدود وغيرها أُدرجت في تشريعات وقوانين دول كثيرة، فكل ما نجده من أمور أخلاقية في القوانين والتشريعات المدنية والبشرية وحتى العلمانية إنما يرجع في أصوله إلى الأديان، تماماً كما تتنفس الطبيعة بالدفء بعد يوم مشمس بفضل شمسنا هذه لا بفضل شمس غيرها!


      ومما لا شك فيه أن الإنسان بتمتعه بحريته النسبية معرض –ليس فقط- لمخالفة النواهي الدينية وتعدي الحدود، بل ولمخالفة قوانين الدولة التي يعيش فيها، واستنساخ الإنسان والكائنات الحية الأخرى يُعدّ مخالفة صريحة للكثير من الحدود.


        وبالطبع فإن التعدي على الحدود ليس أمراً جديداً على التاريخ، فقد عرفت البشرية خلال تاريخها الطويل الكثيرين ممن اعتدوا على الحدود، بل في بعض الأحيان كانت أمم بأكملها تتعدى على تلك الحدود. ولقد سَمَّى الإسلام تعديَ الإنسان على الحدود: إثماً. فبينما تعدّ القوانين المدنية قتل النفس جريمة، نجد الإسلام يعد ذلك: جريمة وإثماً عظيماً! (مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً).


        إن كافة الأحكام والأوامر والنواهي الدينية، وجميع التشريعات والقوانين الحكومية، تهدف إلى تقييد الحرية البشرية والعلم البشري وجعلهما منتظمين، فالحرية البشرية الجامحة والعلم البشري غير المسؤول يقودان الأمور إلى عتبة الفوضى، وأكبر دليل على ذلك تلك الأنواع المختلفة من القنابل المخيفة التي عانت البشرية في ماضيها القريب من الويلات الناجمة عن استخدام بعضها. هذه القنابل المخيفة ليست من نتاج الجهل، بل إنها نتاج ذلك العلم البشري غير المسؤول.


جناية الاستنساخ


*ما هي الأسباب المباشرة لرفض الاستنساخ من قبل الكثيرين؟


*إن النصوص الدينية والكثير من المراجع الفلسفية التي تتحدث عن الاستنساخ، تؤكد أن استنساخ الإنسان يُعدّ تعدّياً على الحدود التي وضعها الله سبحانه وتعالى، وعلماء الدين والفلاسفة المعارضون للاستنساخ يطرحون الأسئلة الآتية: "من هي أم الشخص المستنسَخ؟" و "من هو أبوه؟"، و"هل الكائن المستنسخ محروم من سر الخلق الطبيعي ومن العفوية؟" و"هل يحق لنا أن نحرم بالاستنساخ كائناً ما من شخصيته التي يحصل عليها عن طريق الخلق؟".. الخ.


وباختصار، هل يحق لنا أن ننسخ وجه شخص ما، الوجه ذلك التدفق الجسدي العجيب الذي يخرج خفايا النفوس فيجعلها مقروءة على صفحاته، وتنظر من خلاله نفوسنا فترى عجائب هذا الكون وغرائبه. هذا الوجه علامة مميزة لكل واحد منا، إنه خاتم إلهي جعله الله سبحانه وتعالى ضماناً لأصالتنا، وبأننا لسنا صوراً منسوخة أو مزيفة، وبموجز العبارة إنه سبحانه وتعالى ضمن لنا أنه قد خلَقنا أفراداً مستقلين بذواتنا ومنحنا الرعاية الإلهية الشاملة التي غمرتنا برحمته كلها في لحظة خلقه لنا!


هل سيؤدي الاستنساخ إلى انتهاك حرمة ذلك الوجه البشري الفريد في سماته وملامحه عند كل فرد من بني البشر؟ وأيُّ عالَمٍ هذا الذي يُعرَضُ علينا لِنَعيش فيه، وقد سُلِبنا الحق بأن يكون لكل واحد منا وجهُهُ الذي يُعْرَفُ به، وتُرى على قَسَمَاتِه البهجة والبسمة اللتين لا يشاركه بهما أحد، أو حتى نظرة الحزن والاكتئاب التي يختص بها كل فرد منا؟!


وعندما قال أحد الشعراء العرب: "أيها الإنسان إنه ليس بمقدورك أبداً أن تضحك بقفاك"، فهذا اعتراف منه بهذا السر البديع للوجه البشري الذي أودع الله سبحانه وتعالى في صفحاته الكثير من خصوصياتنا، والله سبحانه وتعالى يَخْلُقُ ولا يَنْسَخُ، والله سبحانه وتعالى واحد أحد، لكن مخلوقاته مختلف بعضها عن بعض، وكل ما يخلقه الله -عز وجل- أصيل لا استنساخ فيه.


وتؤكد الأدبيات الدينية والفلسفية العصرية على أن إلغاء حد من الحدود الأساسية أو التعدي عليه يؤدي حتماً إلى إلغاء آلاف الحدود، فمثلاً عندما قدم لنا العلم الحديث -وللمرة الأولى- إمكانية الحصول على الأمِّ الْبَدِيلَةِ، عندها تم التعدي على الحد، ولكن ذلك لم يتوقف عند حد واحد بل امتد إلى التعدي على حدود كثيرة طبيعية وأخلاقية وقانونية ودينية.. الخ.


وعند الحديث عن الأمّ البديلة فإن الطفل المولود في تجربة كهذه يواجه معضلة أخلاقية ودينية لا حل لها، ألا وهي "أنّ المرأةَ التي وَلَدَتْه ليست أُمُّه، وأنَّ أمَّه التي تَخَلَّق من بويضتها لم تلده". المشكلة هنا أننا إذا كنّا نَحُلُّ بالأم البديلة مشكلة واحدة، فإننا نحصل بذلك على عشرة مشاكل جديدة. ولذلك يعد علماء الدين هذا كلَّه سبباً وجيهاً جداً لرفض الاستنساخ رفضاً قاطعاً، منبهين بذلك الإنسان بالحدود التي لا يجوز تعديها.


كوارث العقل التقني


*لكن لِمَ الحاجة لتنبيه الإنسان بتلك الحدود؟


*من المؤكد أن السبب يكمن في وجود طرق واسعة كثيرة ممتدة أمام الإنسان، وهذه الطرق أوسع بكثير من تلك الطرق الممتدة أمام المخلوقات الأخرى، وبقدر ما تؤكد الأديان على أن تلك الطرق ممهدة ليمشي فيها فقط أولئك المسافرون الذين يحملون في قرارة أنفسهم احتراماً للحدود لا يتزعزع، بقدر ما يستثير عصر التكنولوجيا في الإنسان التمرد ضد تلك الحدود.


       فالعقل التقني يحتفل ببروميتيا وسرقته للنار من الإله، وفي ذروة عصر التكنولوجيا (كما يحلو لبعضهم تسمية القرن العشرين) قتل في حربين عالميتين اثنتين فقط أكثر من خمسين مليون إنسان. في ذروة هذا العصر نجد (كال جاسبرز) – شعوراً منه بالمسؤولية – قد طور في فكره الفلسفي دراسة عن الإنسان والأحوال الحدودية. فالولادة حدٌّ، والجنس (ذكر أم أنثى) حدُّ، وأن نولد بشكل طبيعي لا بالاستنساخ فهذا حدٌّ آخر، واللغة حدٌّ، والمرض والجسد والروح والموت ... كل هذه حدود، والحدُّ أيضاً أن يحمل كل واحد منا وجهه الذاتي، وأن لا يشاركَه هُوِيَّتَه إنسانٌ آخر.. الخ.


إن رسالة (كارل جاسبرز) في بحثه "الأوضاع الحدودية" في الوجود البشري واضحة تماماً: لا يوجد تقنية يمكنها وبأسلوب أخلاقي أن تتغلب على هذه الأوضاع الحدودية للإنسان أو أن تُلْغِيَها.


 


*تحدثتم أيضاً عما وصفتموه بمعيار الكلية.. ماذا تقصدون بالكلية؟


*إن اكتساب الإدراك للحدود واحترام تلك الحدود ينجم عنه معرفة معيار الاعتدال ذي الأهمية البالغة، لكن معيار الاعتدال ومعيار الحدود يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بمعيار الكلية. فماذا نقصد بالكلية؟ إن الإنسان والطائر وورقة العشب والدودة... كل واحد من هؤلاء يمثل كلية، أو قلْ نموذجاً مستقلاً عن الكلّية.


لكن كل كائن من الكائنات يعيش كلّيته داخل كلية أوسع منها، والكلية التي تجعل من الإنسان إنساناً ليست كلية مستقلة؛ فالإنسان مرتبط بشكل أو بآخر بالكثير من الكليات المعروفة وغير المعروفة. إنه مرتبط بكليات مرئية وغير مرئية، وذلك عبر أشكال متنوعة من الحبال السرية التي لا يمكن قطعها أبداً. فالإنسان يتنفس داخل كلية الهواء، ويمشي بفضل كلية الجاذبية الأرضية، ويتغذى من كلية عالمي الحيوان والنبات.. الخ. وكأن كليتنا البشرية تساوي قدرنا البشري المتشابك مع الكليات والأقدار المحيطة بنا كالدوائر المرسومة على سطح ماء البركة عندما يسقط فيها جسم ما، وهكذا تبدو الأمور عندما ننظر إليها من الخارج.


       ولكن الكلية لها جوانب خارجية أيضاً، ويؤكد علماء الدين والفلاسفة المناهضون للاستنساخ أن الله يخلق الكليات خلقاً، ولا ينسخها أو يخلق أجزاء منها، فحبة القمح كلية والنملة كلية والطائر كلية والإنسان كلية، فالخلق يكون دائماً بخلق الكلية، ولا يمكن أن يحدث أن يولد بيننا قلب معزول أو رئة أو فخذ فقط.


       وبطبيعة الحال، فإن هناك من يحاول أن يضفي على الاستنساخ نوايا وأهدافاً إنسانية، زاعمين أن ما سنحصل عليه بالاستنساخ أو النسخ يوفر لنا ما نحتاجه من الأعضاء كالقلب والكلى والركبة.. الخ. فإذا كنا نريد الحصول على جزء فلا بد لنا من استنساخ أو نسخ كلية؛ لأن ذلك الجزء لا يمكن الحصول عليه إلاّ من كلية؛ فالكلية إذاً هي التي وفرت لنا ذلك الجزء.


        يوجد إجماع بين علماء الدين على أن النجاح في الاستنساخ سوف يطرح العديد من الأسئلة الأخلاقية والقانونية والأدبية؛ لأن الشيء الذي سيتم الحصول عليه بالاستنساخ سيكون محروماً في الكلية من الأم والأب والأقارب، ولذا فإنه سيكون محروماً مما نسميه نحن الروح، ومحروماً من ذاته ومن نظرته في أعماق زرقة السماء. ومهما كان شكل هذا الشيء وطبيعته فسيكون محرماً قتله بحجة توفير مصدر للأعضاء التي يمكن لهذا الشيء – حسب تعبيرهم – أن يقدمها.


      إن الاستنساخ ليس سوى محاولة من المحاولات التي تُستخدم فيها التقنية بغرض طرد الموت أو تأجيله إن تعذّر طرده، كما أن الاستنساخ يمثل محاولة التقنية أن تسرق سر الخلق من الله، بحيث يتبسم الخلود للإنسان بعيداً عن تذوق الموت، والأديان تؤكد على وجود الخلود، لكن الوصول إليه يكون عبر الموت.


وليس لي هنا سوى أن أستذكر ما جاء في الآية (24) من سورة النجم؛ إذ يقول الله سبحانه وتعالى: (أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى؟!)


صدق الله العظيم.


تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - احمد ًصباحا 12:40:00 2011/11/25

    شكرا لكنني في حاجة لعرض حول الاستنساخ الرفض و القبول

  2. 2 - الصادق محمد ادم ًصباحا 09:52:00 2012/12/04

    يعني عملية الاستنساخ البشري شبه مستهيلة بالنسبه للمفكرين في هذا الموضوع لانهم عندما حاولوا في عملية الاستنساخ الباندا رفضوا العلماء الصينيون نسبة لعدم وجود امكانية الحضانة للمستنسخ نفسها لذلك رفضوا هذه العمليه ,ولكن فوق ذلك لايستطعون في الانسان علي الاطلاق سواء كانوا علماء صينيون او امريكيون.............

  3. 3 - امير ًصباحا 04:32:00 2015/02/04

    كل جهود تشوية الاستنساخ البشري والتقدم الجيني ستفشل لان العلم هو الابقى والاصح من كل الجهل والتخلف

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف