آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

"تويتر" و"فيسبوك" يعكسان ذلك..

الناقدة الكويتية سعاد العنزي: "الشللية" تمارس التهميش والإقصاء للمبدعين الحقيقيين

الثلاثاء 01 رمضان 1434 الموافق 09 يوليو 2013
الناقدة الكويتية سعاد العنزي: "الشللية" تمارس التهميش والإقصاء للمبدعين الحقيقيين
 

ما يمكن أن يقدم به هذا الحوار أنه بالرغم من طوله إلاَّ أنه جذاب، وذلك من خلال إجابات ضيفتنا فيه الناقدة الكويتية الدكتورة سعاد العنزي، من أول إجابة لها إلى آخر إجاباتها، فالبرغم من تعدد مجالاته التي طرقها إلاَّ أنها في كل إجابة تفاجئك بنمط مختلف في التفكير والتعاطي مع الهم الثقافي والأدبي، ولذلك جاء هذا الحوار محمَّلاً بالعديد من القضايا والنقاشات حول عدد من الموضوعات التي تنوعت ما بين الرواية، وتجربة التأليف، واهتماماتها النقدية، والمشهد الثقافي والأدبي في الكويت، وما حولها.

الحوار جاء متتبعًا لكثير من المشاريع والأعمال التي قدمتها سعاد العنزي للساحة الثقافية، ومستوضحًا منها عن كثير من الأسماء والأعمال الروائية في الكويت وخارجه، وبخاصة مشروعها البحثي الذي أنجزته عن الرواية الجزائرية، كما تطرق إلى مشروع آخر تعمل عليه وهو عن: الهوية الفلسطينية، وقضية المنفى، وغيرها من القضايا الأخرى التي تطرق إليها الحوار وبسطها مع ضيفتنا وضيفتكم.

وإلى تفاصيل هذا الحوار:

التأليف والنشر والقارئ

بما أنكِ نشرتِ كتابين؛ ما هي تجربتكِ مع النشر؟ وهل يوجد قارئ عربي جاد، أم أن الموضوع مراكمة للتأليف دون متلقٍّ؟

تجربتي في التأليف هي تجربة جِدُّ متواضعة وقصيرة زمنيًّا، ولم يُتَحْ لي التفاعل مع الجمهور أو المتلقي بطريقة مناسبة لكون الكتاب الأول منع من النشر في جميع بلدان الوطن العربي ما عدا السعودية، حتى في الكويت هو ممنوع، ولكن حظِيَ بقراءة بعض الأساتذة الأكاديميين، بينما الكتاب الثاني صدر منذ العام الماضي ولم يحصل ذاك التفاعل مع الجمهور؛ أي لم أُوقع كتبي ولم أحتكَّ بالجمهور بشكل مباشر، سواء عبر حفلات التوقيع أم الندوات والمحاضرات بسبب انشغالي بالدراسة.

أما الشق الثاني من السؤال فهو عن نوعية القارئ الجاد؛ من الصعب الحديث عن القارئ بشكل عام؛ لأن الكتب أولاً مقدمة للقارئ الأدبي المتخصص، لكونها مقاربات نقدية فتجد القليل من القراء العاديين يهتمون لما يطرح نقديًّا، ولكن هناك قراء يهتمون بالدعايات الإعلامية حول الأعمال، فيرتكزون على ثقافة التلقين؛ إن أشاد أحد الشخصيات المعروفة بعمل ما ذهبوا لقراءة العمل اعتمادًا على سلطة المعرفة التي يمتلكها هذا الشخص أو ذاك. هناك قراء -دارسي الأدب والمشتغلين بالحقل الأكاديمي- هم مهتمون فيما يخدم مجال اهتمامهم ودراساتهم.

أما جدوى التأليف؛ فهناك بالتأكيد جدوى من ذلك، وهو طرح فكر ورؤى جديدة وتفاعل وتقييم للدراسات السابقة وإثراء الحقل المعرفي الذي تطرح فيه الدراسة، أما إذا كان المقصود بالنسبة للقارئ العام فلا أستطيع أن أحدد جدوى العمل بكون عامة الجمهور لا يقرأ، فبالتأكيد هناك قراء وطلبة علم هم بحاجة إلى إصدارات تفيدهم في مجال اشتغالهم البحثي. ولا يعني أن سقوط النخب في "تويتر" وغيره -كما يقول الدكتور عبدالله الغذامي- الإقلاع عن فعل الكتابة وطرح الرؤى التي تفيد المجتمع. نحن مازلنا في أوطاننا العربية نكتب ونؤلف على اعتبار أنها صدقة جارية لهذه الأمة التي قطع أوصالها الجهل أو الوعي المؤدلج وغيره من أشكال الثقافة المشوهة.

وكيف تَرينَ التعامل مع دور النشر العربية؛ هل هو جني للمال، أم محاولة لنشر الثقافة والاهتمام بالمعرفة؟

دور النشر بحد ذاتها قضية إشكالية في الوطن العربي، فهي بحاجة إلى تأسيس وعي جديد وآلية في التعامل في نشر الكتب. الناشر ينشر الكتب ويضمن أنه دفعت له حقوقه المالية مسبقًا، فإن نجح العمل قال: الدار لا تنشر سوى الأعمال المتألقة، وإذا لم يَنلْ حظه من النجاح قال: لا أحد يقرأ نقدًا أو فكرًا. في حالتي كتابيَّ الاثنين، قيل لي من الدارين: إن النقد لا يقرأ. جدلاً: بما أن النقد لا يُقرأ؛ لِمَ تُقدِمون على نشر كتاب يُفترض مسبقًا أنه لا يُقرأ. الكتاب الأول منع، ورمي في مخازن الدار العربية للعلوم بعد أن أخلت مسئوليتها من العمل، والثاني شارك في معرضين فقط، ولا أعلم كيف ستكون طبيعة تلقيه في بقية المعارض. الذي يحدث في دور النشر هو جهود بسيطة لا ترقى إلى المستوى الفعال المطلوب. يفترض لدور النشر أن تكون عندها إستراتيجيات بالنشر أكثر تقدمًا من طرقها الحالية من مثل: طباعة نسخ محدودة، وتكون الطباعة حسب طلب المعارض ودور النشر الأخرى، وعمل دعاية إعلامية، وقراءات مكثفة للأعمال تتزامن مع معارض الكتاب السنوية، والتعاون مع المؤسسات الأكاديمية والجامعية لتوزيع الكتب عليها فيما يتوافق وحاجة الأقسام العلمية. أما نوعية الكتب المقدمة فهذا يعتمد على الدار نفسها وتوجهها، وغالبًا ما تحرص الدور الكبرى على نشر الجودة، ولكن دار "أثر" -على سبيل المثال- تحرص على جودة النصوص كثيرًا على الرغم من كونها دارًا حديثة.

هل تعتقد سعاد بوجود تفرقة في الذهنية القارئية بين الناقد والناقدة؟ وعليه: بين المبدع والمبدعة؟ أم أن الجنس لا دخل له في الكتابة والتلقي؟

هذا أيضًا يعتمد على تصورات الآخرين لذات المبدع والمبدعة، وعلى المبدع نفسه؛ فإذا انطلق المبدع من هذه الثنائيات فهذا قد يعطي الآخرين مسوغًا للتعامل معه وَفقًا لما قدم نفسه عليه. وأيضًا يعتمد على طبيعة القراء وفضاءاتهم الثقافية المتعددة وبنية القارئ الفكرية. فالقارئ الذي لديه تصور أصولي رجعي قد يحكم على قول المرأة بأنه خطأ وقاصر فكريًّا، وإن كان متحررًا ليبراليًّا، قد ينطلق من التصديق على كل ما تقوله المرأة حتى وإن كان مليئًا بالمغالطات، المسألة نسبية جدًّا، لكن بشكل عام أنا نظرتي متفائلة جدًّا من هذا الجانب؛ فأنا لم أرَ هذا التقسيم في التعامل معي على الرغم من أنه وارد جدًّا، ويكثر في مجتمعات ويقل في أخرى، وبالنهاية الجيد يطرح نفسه سواء كان امرأةً أو رجلاً.

أفضل النقاد العرب

كثير من البلدان العربية أخرجت لنا نقادًا كبارًا أثروا هذا التخصص، في خليجنا العربي؛ كيف تنظرين إلى التجربة النقدية؟ وما أبرز الأسماء النقدية فيه؟

الحركة النقدية في الخليج لابد أن ينظر لها من عدة اعتبارات وليس من اعتبار واحد فقط:

الجانب الأول: عن نوعية وكيفية النقد الأدبي، وهو نقد متطور ومنهجي وحداثي، وينهل من منابع المعرفة الغربية والعربية، مع ضرورة الانتباه للفروقات النقدية بين ناقد وناقد، فالنقد خبرة معرفية ومنهجية إضافة إلى رُوح إبداعية.

المعيار الآخر: هو كمي، أي بعدد النقاد المتواجدين في الساحة النقدية: هل العدد متناسب وما ينشر من إبداع؟ هذا سؤال هام جدًّا، ولابد أن تضعه المؤسسة العلمية والثقافية بعين الاعتبار لكوني أرى عدد النقاد قليل جدًّا مقارنة بما يطرح من إنتاج أدبي. وأعتقد أن المملكة العربية السعودية لها الحظ الأوفر من النقاد، والقادمون من الابتعاث في أوربا وأمريكا سوف يثيرون الساحة النقدية الثقافية في المملكة العربية السعودية.

ثالثًا: هناك تقسيمات هامة بين النقاد أنفسهم؛ هناك نقاد يكتبون حول قضايا فكرية ثقافية، وآخرون يكتبون نقدًا أدبيًّا فلابد من التمييز بين هذين النوعين مع التأكيد على أهمية هذين التوجهين في النقد.

رابعًا: هناك معيار كثافة الكتابة النقدية وأماكن نشرها؛ فالناقد الأكاديمي يحرص على نشر أعماله في مجلات علمية محكمة، ولا يتواصل مع المتلقي العادي عبر الصحافة اليومية، وهذا ما لا أحبذه؛ لأن الشارع العام يحتاج جرعاته النقدية أن تصله عبر ما يفهم ويستقبل حتى يرقى بوعيه إلى مستوى المجلات الأكاديمية المتخصصة.

بخصوص الأسماء النقدية البارزة في الساحة، حقيقةً الأسماء التي أعرفها محدودة جدًّا ومعروفة لدى القراء من مثل: د.عبدالله الغذامي، ود.سعد البازعي، ود.محمد بن مريسي الحارثي، ود.عبدالله الفيفي، محمد العباس في السعودية، وفي الكويت لدينا عدة أسماء أهمها: الناقد د.سليمان الشطي، ود. مرسل العجمي، وفهد الهندال، ود.نجمة إدريس، ود.نورية الرومي، ود.سهام الفريح، ود.هيفاء السنعوسي، والناقد المسرحي د.علي العنزي، ومن عمان: الدكتور هلال الحجري، ومن الإمارات: علي بن تميم، ود.ناطر كاظم وفهد حسين وجعفر حسن من البحرين.

شللية النقاد والمثقفين

الطفرة الروائية في الخليج، هل ترين أن هنالك حركة نقدية واكبتها أم لا؟

في إجابتي عن السؤال السابق ارتباط بهذا السؤال، الأسماء النقدية قليلة والجهود الإبداعية كثيرة، وهذا ما جعل عندنا في الكويت حركة بديلة وهي كون المبدعين أنفسهم يكتبون عن أعمال بعضهم البعض لتغطية نقص الكتابة النقدية، وهذا جزء من الحلول وليس الحل كاملاً، فلابد من تكثيف الجهود النقدية من نقاد متخصصين يسدون العجز الحاصل وإلا فإننا نحمِّل المبدع مالا يحتمل؛ الهم الإبداعي، وهم الكتابة عن العمل الإبداعي أيضًا.

ماذا يمكن أن تقول سعاد عن "الشللية" بين المثقفين؟ ماذا عن المؤتمرات الثقافية الرسمية؟ هل ثمة احتكار ما، أم أن المبدع مكانه محجوز سلفًا؟

"الشللية" كظاهرة هي موجودة في كل مكان وفي كل نسق اجتماعي، قد نسميها شبكة علاقات اجتماعية في أحسن ممارساتها من مثل دعم الأصدقاء والزملاء بعد الاقتناع بجهودهم، وهذه موجودة بصور متعددة في مجتمعاتنا، ولكن ثَمة نوع من "الشللية" البغيضة التي تعني: "أنا ومجموعتي الأدبية فقط الأفضل وغيري رديء ولا يستحق حتى الذكر والإشارة إلى جهده"، فهذه الشللية تمارس نوعًا من التهميش والإقصاء لمبدعين حقيقيين؛ فقط لأنهم لم يداهنوا هذه المجموعة، أنا -بوصفي ناقدة أكتب عن الجميع وأحاول تغطية جهود الجميع ودعم الكل- أرى هناك نوعًا من عدم الاستحسان عندما أكتب عن مجموعة معينة أجد العمل لا يلتفت إليه من الضفة الأخرى، بينما أحد مبدعي المجموعة التي كتبت عنها يتفاعلون مع العمل ويصبح مقالي أجمل قراءة قدمتها، والعكس صحيح، وما عليك إلا أن تتأمل "تويتر" و"الفيسبوك" وترى بعض مظاهر "الشللية".

أجندات الجوائز الأدبية

ماذا عن واقع الجوائز الأدبية؟ هل هناك قسمة حقيقية أم مجرد علاقات عامة؟

المؤتمرات والجوائز الأدبية تكون العوامل فيها متغيرة، فلا أستطيع تحديد أن "الشللية" وحدها هي ما يتحكم بالموضوع؛ هناك أجندات معينة تقف خلفها، وتوجهات تحددها، وقد تخضع لأسباب علمية موضوعية، من يستطيع أن يحدد ويحكم على أشياء لم يكن مشاركًا فيها، ولكن بعض القراء يعانون من إشكالية الوقوع في فخ كون العمل حاصل على جائزة أدبية، فيكتشفون أنهم أمام عمل لا يستحق هذه الجائزة وأقل بكثير من هذه الضجة، الجائزة قد تكون خاضعة لمعيار الجودة، أو معيار التوجه والذوق العام لهذه الحقبة، من مثل فوز اليمنية "توكل كرمان" بجائزة نوبل للسلام؛ فهل هذا لجودة ما تكتب أم لرغبة سياسية في دعم المرأة اليمنية؟! من يعلم؟ هذه أمور مسكوت عنها لا تتضح لنا بصورة مباشرة، خفية وغير جلية. ومن الممكن أيضًا وقوع الاختيار تحت تأثير فكرة السلطة والمعرفة أيضًا لـ"ميشيل فوكو"؛ أي أن السلطة الثقافية تروج لعمل ثقافي معين، وتحاول إقناع الجمهور العام بتفرد العمل فيقتنع لنقص أدواته المعرفية في التقييم.

تلاشي الأدب النسائي

تقولين في كتابك عن رواية المرأة الكويتية: "سينقضي مصطلح (الأدب النسائي) مع انقضاء العنف والتغييب لدور المرأة في المجتمع والحياة السياسية، وانتهاء الظروف الاجتماعية التي تحيط بالمرأة، معرقِلة إياها عن المضي بالحياة، باتحاد الرجل والمرأة في تشكيل الفكر الإنساني البنَّاء". لماذا تصرين على محاولة تغييب مصطلح "الأدب النسائي"؟

أنا لا أغيب مصطلح "الأدب النسائي"؛ لأني اشترطت تلاشي هذا المصطلح بتلاشي مسببات وجوده، وهو الضغط الاجتماعي الواقع على المرأة، لك أن تتصور كم من السنوات الضوئية التي تحتاجها المرأة العربية لكي تحصل على حقوقها الإنسانية والاجتماعية والسياسية، وأن ينظر إليها على أنها إنسان كامل التكوين والتفكير، وأن لا تغيب المرأة عن المشاركة الفعالة في المجتمع، ولكن نقطة اعتراضي هنا على "أدب المرأة" أو مصطلح "النقد النسائي" هي كون أنه يُنظر لأدب المرأة ليس من ناحية موضوعاتية تدرس صور قمع المرأة في المجتمع، بل يدرس من ناحية خصائصه الفنية والأسلوبية، وكأن الأدب هذا فرع جديد ظهر على ساحة المطلق الأبدي الرجل، وكأن الرجل هو الأساس، والمرأة الفرع، أنا ضد التمييز بين أسلوب الكاتبة المرأة والكاتب الرجل؛ لأنه ليست هناك خصائص أسلوبية تفرق بينهما، المبدع مبدع سواء كان رجلاً أم امرأة، والكتابة موهبة وخبرة معرفية وحساسية وشفافية، وأنا مع الفكرة التي تقول: إن الأدب النسائي هو الأدب الذي يكتبه الرجل والمرأة للتعبير عن قضايا المرأة؛ لأن هذه هي القيمة الحقيقية الناتجة عن الأدب.

دائمًا ما يخلط النقاد والمهتمون بين "الأدب النسائي" و"الأدب النسوي"، فما الفارق بينهما، وخاصة في ضوء كتابك هذا؟

أنا أعتقد أن الخلط هو ناتج عن الخلط في الترجمة للمصطلح أكثر منه فرقًا واضحًا بين المصطلحين، ولكن ينبغي القول هنا بأن "الأدب النسائي" و"النقد النسائي" ينتمي لنظرية نقدية كبيرة تداخلت والعديد من النظريات المعرفية الفلسفية والسيكولوجية والاجتماعية والتاريخية لتفكك وضعية المرأة منذ الأزل حتى يومنا هذا، وما "الأدب النسائي" إلا واحدة من هذه المقاربات المتفرعة في شتى العلوم الإنسانية لفهم وتحليل ورصد تطور أوضاع المرأة. وفيما يخص "الأدب النسائي" هنا في كتابي هذا، فهو بالأساس ورقة بحث قُدمت في مؤتمر "رواية المرأة العربية"، ولكنها مطولة نسبيًّا فآثرت نشرها بهذا الكتاب الموجز، وكنت في معرض الدراسة أدرس أدب المرأة من ناحية سردية كالعنونة والصوت السردي والمضمون، ولم أعتنِ بهذه القضايا لكوني أرى أن المرأة الكويتية عبَّرت عن المجتمع ككل من دون اللجوء إلى التعبير عن القهر الذي تتعرض له شخصيًّا، بل تقاطعت مع هموم المجتمع الكويتي والعربي والعالمي ككل ولاسيما أنه في الألفية الثالثة.

تقارب الرجل والمرأة

هل تَقدُّم المرأة في مرحلة الأدب مرتبط بتقدمها وتطورها في مراحل الحياة الأخرى السياسية والاجتماعية وغيرها؟ وكيف يكون الجمع بين هذه الأمور؟

بالطبع التقدم الاجتماعي والسياسي للمرأة يؤثر على تقدم إنتاجها الروائي، ولنكن أكثر دقةً ولنقل: إن تقدم وعي المجتمع بمؤسساته السياسية والاجتماعية والتربوية هو عامل داعم ومحفز لتقدم المرأة وأدب المرأة، مثلما هو عامل مساعد على تقدم الرجل كذلك، كلما كانت البيئة المحيطة خلاَّقة كلما تقدم الاثنان، أعود وأكرر هنا من جديد: إن القضية ليست قضية امرأة فقط كفرد ناشئ جديد على هذا السطح الثقافي؛ القضية تكمن في مكونات المجتمع ككل، وليست المرأة وحدها معنية بهذا الأمر، فقضية المرأة المقهورة من الرجل ومن المجتمعات الذكورية تحيل إلى خلل كبير في المجتمع ككل في القاهر والمقهور في المسيطر والمسيطر عليه.

قد تنطبق حالة التقارب هذه بين المرأة والرجل على الكويت، وربما تختفي في مجتمعات أخرى. هل السبب في تقاربها في بلدكم نظرًا لتقارب الإنتاج الروائي والأدبي الزمني بينهما؟

قد يكون التقارب الزمني واحدًا من الأسباب المهمة، ولكن انفتاح المرأة الكويتية وتشجيع الدولة المستمر لها منذ القدم مكنها من فرصة موازاة أدب الرجل من حيث جودة الإنتاج.

تاريخ الروائيات الكويتية

صبيحة المشاري، ونورية السداني، وليلى العثمان، وطيبة الإبراهيم، وغيرهن من التجارب الروائية المبكرة في أدب المرأة الكويتية، كيف تقرئين عوالمهن الروائية؟

لعل الأديبة ليلى العثمان من أخصب هذه التجارب الروائية من حيث تواصلها وإبداعها المستمر، وهي من فترة قريبة حظيت بجائزة الدولة التشجيعية تقديرًا لجهودها الإبداعية الموثقة للبيئة الكويتية القديمة، والمسجلة لأشكال القمع العديدة الواقعة من الرجل على المرأة، ومن المرأة على المرأة، ومن المرأة على الرجل، وهي ذات خط مميز وواضح في الكتابة عن كويت الماضي، وهوية الكويت في حقبة زمنية معينة مصورة في أعمالها بشكل حفظ كذاكرة لغوية وبصرية مدونة في عوالم الرواية لديها.

وهل تطور إنتاجهن و"تكنيكهن" الروائي من مرحلة إلى أخرى ومن عمل إلى آخر؟

قد تكون محاولة كل من صبيحة المشاري ونورية السداني محاولات تجريبية، وطيبة الإبراهيم كان لها خط واضح في الأدب الخيالي، بينما الأديبة ليلى العثمان هي من الأسماء ذات السمت الواضح في الكتابة الروائية، وأعتقد أن ثمة تطورًا فكريًّا وإنسانيًّا وتقنيًّا سرديًّا في أعمالها.

كتابك عن رواية المرأة الكويتية يدرس حالة الألفية الثالثة؛ كيف رأيتِ هذا الإنتاج الروائي من خلال هذه الدراسة؟

إنتاج فيه نوع من الخصوبة والتقاطع المعرفي مع الذات والآخر المحلي والعربي والغربي، بالإضافة إلى اطلاع الروائيات على تقنيات سردية من مثل: مسألة العنونة، وتعدد الأصوات الروائية، واختيار مواضيع إنسانية محلية وكونية.

مازال الوقت والتاريخ مفتوحين أمام ظهور العديد من الأسماء النسائية الكويتية، فهل تتوقعين تزايدًا في هذا الإنتاج وظهور أسماء جديدة؟

أعلم أن هناك إقدامًا شبابيًّا على كتابة الرواية للمكانة التي حظيت بها الرواية مؤخرًا في الوطن العربي، وأصبح مَن يكتب القصة القصيرة وينجح بها يحاول أن يثبت جدارته في عالم الرواية. هناك تزايد حاصل من الطرفين رجالاً ونساءً، ولكن ليس هذا المهم أبدًا، المهم هو أن يُقدم فن روائي جيد ومتقَن، وأن تكون هناك حركة نقدية حقيقية تواكب هذا الإنتاج الروائي، وأن يعي الروائي أن الكتابة الروائية لها متطلبات معرفية وشروط فنية ذوقية وجمالية يجب أن ينطلق منها، وأن يضيف شيئًا جديدًا للفكر الإنساني، ولا يكتفي بتقديم رقم زائد في الحقل الروائي.

الرواية الكويتية المبكرة

تعد تجربة "إسماعيل فهد إسماعيل" الأخصب إنتاجًا في مجال الرواية بـ22 عملاً روائيًّا، كيف تنظرين إلى هذه التجربة الروائية؟ وهل حققت المطلوب منها؟

تجربة الروائي الكبير "إسماعيل فهد إسماعيل" لا شك في أنها من التجارب العربية الغنية والخصبة بثرائها المعرفي، وبتقاطعها مع قضايا عربية هامة جدًّا، وأعماله كُتبت عنها دراسات نقدية عديدة، من مثل: دراسة الدكتور "مرسل العجمي" عنها، والآن مشروع الدكتوراه للناقد "فهد الهندال" هو الكتابة عن هذه التجربة، أما تحقيقها لما هو مطلوب منها فهذا أمر نسبي، ولا أعتقد أن الأدب تجربة علمية تحقق خططًا مسبقة مفترضة، بل هو تجربة إنسانية تحاول إحداث هزة جمالية وإنسانية بوعي المتلقي، وما أستطيع قوله بشأن تجربة "إسماعيل فهد إسماعيل": إنها تجربة إنسانية عظيمة مازالت تعانق هموم المجتمع الكويتي والعربي بشكل تفصيلي دقيق، وآخر رواية صادرة له خرجت من رحم معاناة إنسانية كبيرة تعيشها فئة "البدون" (غير محددي الجنسية) في الكويت، وقد تنسحب ظلالها على القضية في كافة بلدان الخليج العربي، ففي روايته "في حضرة العنقاء والخل الوفي" قفزة إنسانية كبيرة تحسب إضافة نوعية كبيرة للأدب الكويتي، وأدب الهوية في الوطن العربي.

ما السر في ظهور الرواية الكويتية منذ وقت مبكر على مستوى منطقة الخليج وبعض البلدان العربية، وبالتحديد في العام 1948م عند "فرحان راشد" في "آلام صديق"؟

هو ذاته السر في تقدم الثقافة الكويتية في ذلك الوقت المبكر، وفي تقدم المسرح، وإصدارات الدوريات الثقافية كـ"الكويت"، و"العربي"، و"عالم المعرفة"، وغيرها، فلا نستطيع الفصل بينها.

الرواية والقصة القصيرة

وهل يمكن أن نقول: إن "القصة القصيرة" يُعد مكانًا خصبًا للمرأة تميزت فيه بالإنتاج أكثر من الرجل؟

لِمَ نفترض أن هناك علاقة مفاضلة ومعيارية بين أدب الرجل والمرأة، وننسى عامل الموهبة الفردية للإنسان بشكل عام، ونقارن إنتاج الأديب بالمحطات الإبداعية للأديب نفسه؟ هل يمكننا أن نتجاهل جهود الدكتور "سليمان الشطي" في القصة القصيرة منذ السبعينيات من القرن الماضي، و"طالب الرفاعي" وغيرهما؟ ما هي الفرضية التي نستند عليها هنا، ونحن نرى أدباء كويتيين كتاب قصة قصيرة يتحولون لكتابة الرواية أو العكس؟ "سليمان الشطي" كتب رواية "صمت يتمدد" بعد كم كبير من القصص القصيرة، "طالب الرفاعي" يجمع بين الفنين، القاصة "باسمة العنزي"، وأيضًا "منى الشمري" تنويان نشر روايات بعد نجاح مجموعاتهما القصصية، فما هي النقطة التي نستند عليها؟ وما دخل المفاضلة "الجندرية" هنا؟

الميل إلى اللغة الشعرية في كتابة الرواية أو القصة القصيرة؛ هل يؤثر على "تكنيك" العمل الفني؟

إذا كان هذا الميل هدفًا بحد ذاته قائمًا على حساب المضمون، فلا بد في العملية الإبداعية من اقتران اللغة الشعرية بالفكرة الإنسانية المقدمة في العمل، وإلا سيكون العمل نسيجًا لغويًّا زائدًا وفائضًا مبهمًا لا يحقق غاية منه، لابد من الاعتدال والتوسط بين هذين الطرفين الذين يشكلان العملية الإبداعية بشكل كامل، وألا يقع المبدع في عملية التكلف التي تثقل عملية استقبال العمل.

فوز "البامبو" بالـ"بوكر"

رواية "ساق البامبو" لسعود السنعوسي هي أول عمل روائي كويتي يحصل على جائزة "البوكر" العربية للرواية، كيف تنظرين إلى هذا العمل؟

سعود السنعوسي مبدع بذل جهده في العمل، وقدم فكرة هامة على المستوى الموضوعي من حيث الاهتمام بفكرة الهوية في الكويت، ورصد بعدًا إنسانيًّا في التعايش مع الآخر بقبوله أو عدم قبوله، وكانت هناك منافسة كبيرة بينه وبين زملاء آخرين له في الجائزة، ولكن كان للجنة التحكيم رؤيتها في اختيار هذا العمل للفوز بهذه الجائزة.

لماذا تأخر دَوْل الأعمال الروائية في الكويت في التنافس على الجوائز الرواية العربية والعالمية إلى هذا الوقت؟

قد يكون لفكرة المركز والأطراف الدور الكبير، لا تنسَ أنه لفترة طويلة كانت مركزية الثقافة لدول عربية محددة بدأت تتغير بتغير القوى السياسية، وأيضًا بتقدم التجارب الروائية نفسها ببنائها الفكري والشكلي المتطور، ومقارباتها لمواضيع حساسة مثل: موضوع الهوية الذي طرحه "سعود السنعوسي" مؤخرًا.

عنف الرواية الجزائرية

كتابك الآخر كان بعنوان: "صور العنف السياسي في الرواية الجزائرية المعاصرة"، ما سبب التوجه للكتابة عن الرواية السياسية تحديدًا؟

لا أظن أنني قبل الكتابة عن الرواية الجزائرية كنت مهتمة بالشأن السياسي بشكل كبير، ولكن كون موضوع العنف في الرواية يزامن موجة الإرهاب التي حدثت في الوطن العربي من مثل: الجزائر، السعودية، العراق، وفي العالم مثل: الولايات المتحدة الأمريكية؛ لفت انتباهي إلى الظاهرة الأدبية، وبتشجيع من مشرفي لمرحلة الماجستير دكتور مرسل العجمي، أقدمت على الموضوع، وكانت من أوائل الدراسات في الموضوع، وتلتها دراسة لباحثة جزائرية بعنوان: "زمن المحنة في سرد الكاتبة الجزائرية" لفريدة إبراهيم، ودراسة سعودية للباحث عبدالله الغانم عن الإرهاب في الرواية السعودية. العام الماضي عملت دراسة ماجستير ثانية في بريطانيا عن النظرية النقدية، وكان التوجه العام لها النقد السياسي بشكل عام، هذه خطوة ثانية تقودني للسياسة من حيث لم أكن أنوي أبدًا، ولكن دعني أكون صادقة معك، ومع نفسي؛ على الرغم من أني أرى نفسي رُميت في عالم السياسة والفكر السياسي من دون تخطيط مسبق، إلا أنني اليوم أكثر من أي يوم ماضٍ أؤمن بأهمية تزامن الأدب مع القضايا السياسية مادمنا الآن في العالم كله والعالم العربي أزمتنا في جانب كبير منها سياسية، ثم اجتماعية وثقافية، لابد أن يكون للأدب دور في اقتراح حلول ومقاربات إنسانية تضيء وعي المتلقي بطريقة أدبية خاصة تختلف عن الأطروحات السياسية، لا أقول بأن كل أديب لابد أن يكتب في السياسة، ولكن لابد أن يعي الأديب واقع أمته السياسي ويعبر عنه بشكل ما في عمله، نحن مهمومون بالسياسة مادامت هي التي تخطط لنا أُطر حياتنا العامة، فتقدُّم سياسات بلداننا تقدُّم لنا، والعكس صحيح.

وما سبب اختيار الجزائر كبيئة لهذه الدراسة؟

الرواية الجزائرية هي التي عبرت عن العنف المسيَّس نتيجةً لأحداث الإرهاب في العشرية الحمراء من عام ١٩٩٠ فصاعدًا، وكانت لظاهرة الإرهاب في الأدب قيمة قوية في الإنتاج الإبداعي الجزائري، استحقت أن تدرس دراسة عميقة، ولعلك لا تستغرب أنني اليوم أرى بعض إرهاصات العنف التي كانت في الجزائر قبيل وقت العنف، حقيقة الظاهرة واحدة من أهم الحفريات التي لابد من قراءتها لفهم بنية هامة في الفكر العربي والممارسات العربية التي ترتبط ببعض الحركات العالمية التي تمارس سياسة العنف من أجل تحقيق مآرب معينة.

فخاخ الرواية الجزائرية

دراسة كهذه تُدخل الباحث في دوامات كثيرة؛ فما أبرز الفخاخ التي واجهتكِ أثناء إعدادكِ لها؟

حقيقةً الإعداد للدراسة تطلب مني دراية بالتاريخ الجزائري والمجتمع والسياسية الجزائرية من بعد الثورة الجزائرية وصولاً لزمن العنف وما بعده، وهو أمر مفروض على كل باحث أدبي يبحث في قضايا شائكة مثل هذه، لكن المعضلة التي صادفتني وقت القراءة والكتابة هي نفسية، وهي كوني حَمَّلت نفسي ألم قراءة مشاهد وصور العنف؛ حيث الدماء تسيل بين ثنايا اللغة، والرءوس البشرية تتطاير على الجدران، وكل أشكال العنف الدموي مطروحة أمامك تعايشها لمدة سنة أو سنتين تحلل مظاهرها، كم هو مؤلم لنا -نحن المثقفين- أن نقرأ هذا الكم من العنف، والمعضلة الحقيقية واجهتني بعد نشر الكتاب، وهي منع الكتاب على الرغم من كونه دراسة إنسانية أدبية نقدية لم تخض في تفاصيل السياسة بشكل موسع، بحجة أن كلمة "عنف سياسي" ترعب المسئولين في مواقع الثقافة، أنا اعتبر الدراسة ظلمت هنا، وكأنها محاولة لمحاربة خفية لأي عمل ينبش في قبور المسكوت عنه في عالمنا العربي.

كيف تنظرين إلى واقع الرواية الجزائرية مقارنةً بالرواية العربية عمومًا والرواية الكويتية خصوصًا؟ ما هي حدود التوافق والاختلاف؟

الرواية الجزائرية لها سمات مشتركة مع الأدب العربي، ولها خصوصيتها التي تميزها عن غيرها، مثلاً في فترة الاحتلال الفرنسي عبرت عن قضايا التحرر من العدو، وفيما بعدها كانت تطرح قضية بناء المواطن الجزائري وقضايا الفساد من مثل روايات: واسيني الأعرج، والطاهر وطار، ولما أتت فترة العنف واكبت هذه الأزمة بشكل كبير وحللتها تحليلاً موضوعيًّا جميلاً بتبني كل وجهات النظر المغايرة، كذلك من ناحية أخرى هي تطرح مفهوم الهوية الجزائرية والموروث بقوة، وهذه النزعة حية ونابضة فيها حيث الاقتران بالموروث الجزائري عميق وأصيل، ومن حيث الخصائص الفنية فهي كذلك غنية بالتنوع بين استخدام تقنيات سردية حداثية ووعي بآليات بناء النص السردي، وأراهم سباقين في هذا الوعي السردي الحديث كبقية المغاربة على بقية بلدان الوطن العربي، هذه وجهة نظري المتواضعة والشخصية التي تقبل النقاش، ويبقى كل أديب منهم له خصوصيته الأدبية التي تختلف من أديب لآخر، ولا تنسَ أن هناك ثمة بصمة فردية لكل أديب، أما نقاط اتفاقها والرواية الكويتية والرواية العربية فالنزعة العربية والهم العربي المشترك، واختلافها مرتبط باختلاف البيئة الكويتية والظروف المجتمعية الكويتية المغايرة للجزائرية.

النفط والرواية الخليجية

وهل عزز النفط لدينا الإنتاج الروائي وأسهم في تطوره على مستوى الخليج من خلال الإيحاءات المتعددة، أم أنه كان على العكس من ذلك؟

النفط كقوة اقتصادية أثرت بلدان الخليج العربي ماديًّا واجتماعيًّا غيرت أنماط الحياة وجعلت المجتمع متجهًا نحو الحداثة والتقدم، وفتح المجال للاستفادة الثقافية من المعطيات المحلية والعالمية، يبقى هنا عاملان: العامل الأول نشاط الأديب والمبدع نفسه، وهو عامل فردي، ومدى دعم الأدب من مؤسسات الدولة، وهذا العامل أراه متذبذبًا من فترة إلى أخرى، وقد ينشط في بلد وينحسر في أخرى. خذ على سبيل المثال تقدم الدور الثقافي والأدبي في الإمارات من حيث الدعم والتشجيع له، ولكن الثقل الحقيقي في الرواية الخليجية متمركز بشكل مكثف في الكويت والسعودية، وهذا لا يعني بالضرورة أنه مرتبط بالنفط بقدر ما هو مرتبط بالشبكات الثقافية والأدبية التي تؤسس لوعي روائي.

هل يصح التقابل عندما نقول: إن رواية "ما قبل النفط، وما بعده" يمكن أن تتقابل مع رواية "الحداثة، وما بعد الحداثة" في الغرب؟

أبدًا لا نستطيع أن نربط بين هذين التقسيمين؛ "ما قبل النفط وما بعده" مرحلة تطور معماري وحضاري لتأسيس الدولة المدنية ومؤسساتها في الخليج، التي نقلت مستوى المعيشة في حياة المواطن الخليجي؛ أي: مرحلة تكامل في بناء مجتمعاتنا، ولكن فيما يخص "الحداثة وما بعد الحداثة" فالأمر مختلف لسبب مهم؛ هو أن "الحداثة" مرحلة تنويرية كبرى في الفلسفة والفكر والسياسة وحقوق الإنسان وبناء المؤسسة المدنية الغربية الحديثة، منذ فترة ١٦٠٠م إلى فترة ١٩٠٠م تقريبًا، لكن "ما بعد الحداثة" هي مراجعة فكرية ونقاشية حول جدوى الحداثة، ونقد أفكار الحداثة نفسها، ولكن ما يحدث في الخليج هو أن فترة ما بعد النفط، والآن فقط في هذه السنوات قد تُساوي بداية فترة الحداثة الغربية، ولك أن تتخيل الفرق. هل هناك جهود نقدية خليجية نقدت فكر ما قبل النفط؟ وما هو فكر ما قبل النفط؟ جهود فردية فقط لم ترقَ لأن تؤسس حركة فكرية كبيرة، مازال الطريق طويلاً على مرحلة ما بعد الحداثة العربية لكوننا في بدايات الحداثة.

ربيع الرواية العربية

ماذا ترين إثر الربيع العربي؛ هل سيتحرك الأدب، وعليه ينمو مستوى النقد، أم أن الناس ستكون مهمومة ببناء أوطانها وتقرير معاشاتها؟

الأدب بالنسبة لي كان دومًا متحركًا وفعالاً في الوطن العربي، لا تنسَ رواد الأدب العربي كيف قدموا لنا أدبًا إنسانيًّا نقديًّا رفيعًا، وكيف أصَّل نقاد الأدب العربي لمفاهيم متعددة، وكانت هذه نقلة نوعية حقًّا في النقد الأدبي. الآن هنا حركة نقدية ولكنها ليست قوية وواضحة بالشكل المطلوب، وهذه الحركة النقدية لابد أن تصاحب وترصد الربيع العربي والأدبيات التي نتجت عن الربيع العربي؛ لنقدها وإعادة تقييمها، وإن كنت أرى بعض إنتاج المبدعين العرب السابق والمزامن والناتج عن الربيع العربي قد بدأ ينزع للتقريرية المباشرة والأفكار الجاهزة المعولبة؛ فتتساءل: هل أنت بصدد قراءة إبداع أم سرد تقريري جاف؟ لكن بالتأكيد إذا تغير مستوى الفكر في الوطن العربي وتم دعم الأدب والنقد ستنتج هناك حركة نقدية ممنهجة ومنظمة، ولكن مادام الفكر والأدب والنقد في بلداننا إنتاجًا فرديًّا غير مدعوم بشكل كبير فكل ما ينتج من أفكار محدودة هو أمر طبيعي ومتوقع.

هوية فلسطين العربية

في دراستكِ الحالية لمرحلة الدكتوراه تتخذين من الهوية الفلسطينية عنوانًا، ما أبعاد اتجاهك إلى هذا الموضوع؟

حقيقةً منذ أتيت إلى بريطانيا للدراسة بدأ يتشكل لدي وعيِي الخاص تجاه هويتي كامرأة وكمواطنة كويتية وعربية تعيش في ثقافة مغايرة ومختلفة، تعيش ثنائيات عدة متوافقة أو متصادمة مع الغرب، وهذا الاكتشاف هو ما جعلني أفهم هويتي من إطار عربي، ومنظورًا إليها من آخر غربي، إضافة إلى صراع الهويات والانتماءات التي شهدته المنطقة العربية والخليج العربي بشكل خاص، كلها عوامل دعمت وعيي بالهوية، وأهمية توثيق صلتي بالموضوع من خلال دراستها فكريًّا ومنهجيًّا وَفق وجهات نظر متعددة لأفيد بها من ناحية أكاديمية وإنسانية بعد عودتي من بريطانيا. أما الهوية الفلسطينية، فموضع اهتمامي الحالي هو اهتمام له عدة جوانب إنسانية وأكاديمية منهجية:

الجانب الإنساني: هو كتابة موضوعية تكشف عن أبعاد القضية والهوية الفلسطينية الإنسانية التي شُوهت بالغرب تشويهًا كبيرًا عبر الآخر الإسرائيلي، فكتابتي هنا تأتي لإضفاء جانب عربي غير فلسطيني يتبنى قضية الفلسطينيين، مما يعطي الدراسة حيزًا من الطرح الموضوعي بعين الآخر الغربي، بكوني أنطلق من "أنا" آخر غير "الأنا" الفلسطيني، ولو إنني سأبقى تحت إطار "الأنا" العربية المتعاطفة قلبًا وقالبًا مع القضية.

ومن ناحية سياسية: أن القضية الفلسطينية هي معيار من معايير تعامل العالم الغربي السياسي مع الوطن العربي، فبقدر ما يؤمن وجود "إسرائيل" الإقليمي والإستراتيجي بقدر ما تيسر مصالح الوطن العربي مع منافذ القرار السياسي العالمي؛ أي: فلسطين حاضرة في الوعي السياسي العربي بشكل كبير لكونها عاملاً هامًّا في الصراع العربي الغربي الخفي تحت مظلة العلاقات الدبلوماسية المتصالحة ظاهريًّا.

الجانب الأكاديمي: هو كون المراجع العربية الخليجية في الهوية باللغة الإنجليزية قليلة جدًّا، وليس مفهوم الهوية بأبعادها المختلفة قويًّا مثلما هو قوي بالفكر الفلسطيني. وصدقًا، إن دراسات الهوية غنية جدًّا ومفيدة لنا كعرب بأن نفهمها أولاً من الفكر الغربي، وثانيًا من الجانب الفلسطيني، وثالثًا بأن نربط هذه الدراسات بواقع وخصوصية أوطاننا. كل هذا الدوافع جعلتني أدرس الهوية بشكل عام والفلسطينية على وجه الخصوص.

لا شك أن موضوع "الهوية الفلسطينية" شائك بسبب الاحتلال الإسرائيلي، فإلى أي مدًى ترتبط الهوية بالأرض والوطن؟

نقطة الانطلاق المركزية عند الفلسطيني هي الأرض والوطن، فلا يمكن الفصل بينهما في إنتاج المثقف والمبدع الفلسطيني؛ فهي حيث هو، وهو حيث هي، فالاندماج عامل مهم بينهما، وهذا له أسباب عديدة أبرزها هو أن الأرض محتلة، ووجوده كمواطن فلسطيني داخل وخارج الوطن مهدد، فهو في الداخل يتعرض لتغريب اليهود له، وفي الخارج لا يستقر في مكان استقرارًا كاملاً لحلمه الأبدي في العودة إلى أرضه، وهذا ما يلفتنا إلى عدم يأس الفلسطيني من فكرة العودة إلى أرضه، وقد يكون هذا سببًا هامًّا في محاولات "إسرائيل" المستمرة في قلقلة الأمن في منطقة الوطن العربي.

كيف تُقَيِّمين مسألة الهوية هذه عند كثير من المثقفين والأدباء الفلسطينيين الذين أرغمتهم الظروف على ترك أراضيهم؟ وهل انعكس ذلك على إبداعهم الأدبي؟

هذا يعتمد أولاً على تجارب المبدعين الشخصية بالمقام الأول، ورؤيتهم للإبداع والهدف منه، ولكن بشكل عام هي مرتبطة بالأرض، وأغلب جهودهم الكتابية تصب في خدمة القضية، من مثل جهود: إدوارد سعيد، ومحمود درويش، وسميح القاسم، وحنان عشراوي، وغيرهم. فالهوية عندهم قوية من البعدين العربي والفلسطيني لاقتران الأمرين بعضهما ببعض. ولكنها أيضًا لم تقف عند هذه الحدود، بل تجاوزت ذلك إلى النظرة الكونية المتسامحة مع كل الثقافات والأديان، وهذا ما أثار لدي تساؤلاً مهمًّا إلى حد يستطيع أن يقدم المرء فكرًا متسامحًا مع الآخر، وهو مغيب عن الوجود السياسي تحت إثر أزمته في إثبات انتمائه لبلده الذي غيبته الصهيونية عن الوجود السياسي.

عولمة الهوية العربية

هناك مَن يرى أن "الهوية العربية" ككل أصبحت مهددة في ظل العولمة الكونية التي نعيشها؛ إلى أي مدًى تتفقين مع هذا الرأي؟ وكيف يمكن تجنب استلاب الهوية في مثل هذه الظروف؟

هذا الموضوع يحتاج كثيرًا من التفصيل والشرح، لكون العولمة بوجهة نظري ونظر الكثيرين ولَّدت عدة اتجاهات كنتيجة حتمية لاقتحامها عوالمنا وبيوتنا بآلتها التكنولوجية المتفوقة على عجزنا في مجاراتها، ولا تنسَ الجوانب الأخرى الاستهلاكية منها من ماديات أو أفكار مصنوعة ليطبقها كل العالم. وهذا -بوجهة نظري- أمر موجه سياسيًّا من المؤسسة السياسية الغربية لغزو العالم ثقافيًّا ورُوحيًّا من أجل صنع ذوات طيِّعة سهلة الانقياد لقراراتها السياسية، بالإضافة إلى إيجابياتها في تسهيل حياة الإنسان المعاصر.

ولكن لننظر كيف تفاعل معها العرب:

1- الفريق الأول: كان الفريق الذي تماهى معها، وعاش استلابًا تامًّا مع هذه الحضارة الغربية وعوالمها، ولعلك لا تستغرب إن قلت لك: إنه لدي رواية كويتية تتحدث عن قصة حياة غربية وعالَم ومناخ غربيين لا يمتان للوطن العربي بصلة، وهذا جانب من جوانب استلاب الهوية العربية الإبداعية.

2- الفريق الثاني: فريق رافض كل الرفض للعولمة ومنغلق على ذاته فكريًّا وحضاريًّا، مع استفادته من التكنولوجيا الغربية المنتشرة.

3- الفريق الثالث: وهو مَن يضع موازنة بين الطرفين، ويستفيد من العولمة الحضارية، ولديه القدرة على تمييز إيجابياتها وسلبياتها.

فكما بينت بالبداية: فريق رافض للعولمة، فحاول إظهار انتماءاته الدينية والعرقية من باب الرد على تغريب العولمة له، وفريق انصهر وتلاشى وتبنى فكر الآخر، وهذا يحتاج أيضًا إلى محاولة منا لاستعادته لجذوره، والنوع الثالث هو الطرح المعتدل بينهما.

العولمة كذلك وفرت سهولة الوصول الإعلامي، فأصبح من يريد أن يتبنى فكرًا معينًا يضع له قناة خاصة ويطرح آراءه، وهذا ما يفسر تقوية الانتماء إلى خارج أرض الوطن وإلى المماثلين له في العقيدة والمذهب والتوجه السياسي والفكري، وما صعود النعرات الطائفية والقبلية في الفترة الأخيرة إلا واحدة من آثار العولمة.

مشروع المنفى العربي

لديكِ مشروع جديد بعنوان: "منفيون". ما طبيعة هذا المشروع؟ وما الذي تسعَيْنَ إلى إثباته من خلال هذا المشروع؟

هو قراءة نقدية إنسانية تبحث -في عمق حالات إنسانية منفية- عن شروط الحياة الطبيعية والمتوافرة في حيز الافتراض لحياة عادلة، وتربط بين عدة نصوص فنية وإبداعية كاللوحة الفنية المتكاملة.

لدي هدفان يقفان خلف هذه المحاولة:

الهدف الأول: هو تسليط الضوء على حالات منفية إنسانية ومهمشة في مجتمعاتنا كُتب عنها أدبيًّا.

والهدف الثاني: هو ربط الأدب بالفنون الإنسانية التي تحدثت عن ذات الموضوع، لكوني أهدف إلى إطلاع القارئ على دور الفنون العظيمة التي تناولت هموم الإنسانية، كما أرنو إلى تحليل النص الفني بتقنية تزيد من ثقافتي في قراءة النص الفني/ الأدبي، ولبيان أثر الفنون الجميلة في حياتنا الإبداعية بشكل عام.

مشروعكِ ربما يتقاطع مع موضوع الهوية الذي تحدثنا عنه سابقًا. ما أوجه التشابه والاختلاف بينهما؟

هو مقتبس من فكرة "المنفى والشتات" التي هي واحدة من أهم قضايا دراسات الهوية؛ فإن كان المنفى المادي بسفر واغتراب إنسان عن وطنه، أي: بيئته الإنسانية الطبيعية، فالمنفيون بالنسبة لي هم مجموعة كبيرة ومتعددة وغير منتهية من حالات النفي عن شروط حياة الإنسان الطبيعية، سواء كان النفي مرضًا أو فقرًا، أو تهميشًا سياسيًّا واجتماعيًّا، وللأسف مجتمعاتنا ملأى بأشكال النفي.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف