آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

منهجية التجديد عند أبي الأعلى المودودي

الاحد 23 رمضان 1430 الموافق 13 سبتمبر 2009
منهجية التجديد عند أبي الأعلى المودودي
 

الكتاب:

منهجية التجديد عند أبي الأعلى المودودي

المؤلف:

سهيلة علاوة عظيمي

الناشر:

دار أضواء البيان/ دار النهضة للطباعة والنشر -دمشق –سوريا

الطبعة:

الأولى – 2008 م

الصفحات:

412 صفحة من القطع المتوسط

عرض:

محمد بركة


في مثل هذه الأيام منذ ثلاثين عامًا انتقل إلى رحمة ربه العلامة المفكر المسلم أبو الأعلى المودودي، وبالتحديد يوم 22 سبتمبر عام 1979 م، كان أبو الأعلى المودودي رحمه الله ابن عصره، وُلد عام 1903م، عَرف زمانه واستقامت طريقته، وتطوَّر فكره، وواكب الحالة السياسية والاجتماعية السائدة.

لقد كان عبقرية فذَّة ونموذجًا متميزًا بين كثير من الدعاة، يحدِّث الناس باللغة التي يفهمونها، ويقدم لهم الإسلام واضحًا ناصعًا نقيًّا، كما فهمه من خلال اطِّلاعه الواسع الشامل لسائر ألوان المعارف والعلوم الإسلامية، وبذكاء الدارس الحصيف لثقافات الغرب وحضارته، المقارن بينها وبين الإسلام الذي جاء ليبقى المتفوق على سائر الثقافات والحضارات عبر الدهور، وهذا ما يستنتجه الدارس لكتبه، والتي بلغت ما بلغت كثرةً وعمقًا وشمولًا لشتى مناحي الفكر والتي جعلت منه مفكرًا عالميًّا، وأحد أبرز قادة الفكر والدعوة والإصلاح في العصر الحديث، ويكفي أن نعلم أن للمودودي أكثر من مائة وأربعين كتابًا وأكثر من ألف خطاب، تُرجِم منها الكثير إلى عدة لغات، وكانت زادًا للمفكرين والدعاة من رجال الصحوة الإسلامية ومارست تأثيرها عليهم حيث كانوا في هذا العالم الفسيح.

فكيف صاغ المودودي نظريتَه في التجديد الإسلامي؟ وما هي الأسس والأبعاد الفكرية التي تستند إليها منهجيته في التجديد؟ وإلى أي مدى استطاع أن يسهم في ترشيد وإنجاح تجربة التجديد الإسلامي في الهند وباكستان؟ ومن ثم المساهمة في ترشيد حركة التجديد الحديثة في العالم الإسلامي، وما هي أهم الإضافات النظرية والعملية التي قدمها؟

هذه الأسئلة وغيرها سعت الباحثة الجزائرية سهيلة علاوة عظيمي في كتابها منهجية التجديد عند المودودي الذي صدر حديثًا في دمشق بسوريا للإجابة عنها من خلال رؤية موضوعية، وحيادية فكرية، فالمودودي من القلائل الذين صنعوا التاريخ، ووقفوا في وجه حركة الإبادة الثقافية التي مارسها الاستعمار الإنجليزي وأعوانه لتغريب المجتمع المسلم في الهند وزعزعة استقراره، كما سعت الكاتبة أيضًا إلى تبيان أهمية دعوته، فعرضت للأبعاد الفكرية للتجديد عنده في الإطار المرجعي الموجَّه مبينةً كيف كان الإسلام أساس عمله وتحديدًا النص القرآني والسنة النبوية والتاريخ الإسلامي، كما أشارت إلى مدى استيعاب المودودي للواقع الإنساني عارضة لموقفه الفقهي وآليات تعامله معه بكل مكوناته وكذلك موقفه من الحضارة الغربية.‏

في البداية تحدثت المؤلفة عن الأبعاد الفكرية للتجديد عند المودودي، فرأت أن المودودي عمِل على بيان ضرورة الوحي في التوجيه، من أجل إعادة الثقة إلى أفراد الأمة في مرجعيتها، وكذلك ترشيد الفكر الآخر غير المسلم ومحاولة التأثير فيه.

وأول ما تناوله هو نقده لأصول الفلسفة المادية وتحليلها لتوجيه الفكر الإنساني، وتحديد الموقف الإيجابي الموضوعي منها، ومن ثم حصول التمييز بين الضابط منها وغير الضابط، فالحضارة عنده تُقام على تصور الحياة الدنيا، غاية الحياة، العقائد والأفكار الأساسية، تربية الأفراد، والنظام الاجتماعي، حيث تقاس قيمة الفعل الحضاري بهذه الأصول.

وفي نقده للأطر الوضعية المنشئة لأصول الفلسفات المادية، يرى أن النظام الذي يخرج البشرية من أزماتها الفكرية لا بدَّ وأن يبنَى على مبادئ وقواعد ثابتة، يخدم الوحدة الإنسانية ويخدم الأصول الضابطة للفكر الإنساني، تجاهَ مسائل الكون، ويضع الخطوط العريضة لفلسفة الحياة البشرية، ويستجيب للمتطلبات الفطرية استجابةً منطقيةً، تضمن للأفراد التوازن والأمن والطمأنينة، ولا شك في أن هذا النظام لا يمكن أن يتأتَّى للبشرية إلا إذا كان على علم بحقيقتها، وعلى معرفة تامة بجميع الحقائق المتَّصِلة بها، بحيث يتمكن الإنسان من خلاله من مسايرة أوضاع الحياة، والتكيُّف مع معضلاتها دون تعثر، وفي هذا الإطار يشير المودودي إلى الوسائل التي يجب على الإنسان امتلاكُها لاستنباط دينه ومنهج حياته وهي الهوى أو الشهوة النفسانية، والعقل، والتجربة والمشاهدة، وأخيرًا السجلّ التاريخي للتجارب الماضية، وهذه الوسائل لا تحقِّق غايتها دون العودة إلى القاعدة الهامة المتمثلة في الوحي لاستلهام التوجيهِ الحقيقي من أجل إعادة إحداث الاتزان في مسار الأمة تسديدًا وترشيدًا، والتأثير الإيجابي في الواقع الإنسانيّ، داعيًا إلى التجديد، ومن منطلق الربط بين الأصالة والمعاصرة ليكون التغيير مسايرًا لروح العصر، ساعيًا لتحقيق مقاصد الشريعة، ويتعلق التجديد كذلك، حسب المودودي بمناضلة القوة السياسية الناهضة لاستئصال الإسلام، وإحياء النظام الإسلامي عامة كقوة مؤثرة، وذات فعل حضاري وقيادي بارز على المستوى العالمي، ابتداء من القطرية إلى العالمية، وبناءً على هذا تعرَّض المودودي بالشرح للأوضاع الحاضرة، وما تستند إليه من الأسباب والعلل التاريخية، وعمل على وضع برنامج عملي لإصلاح باكستان، يقوم على التوجيهِ الفكري الأصيل للارتباط بحقيقة الإسلام، وبمذهبيته في الكون والإنسان والمجتمع، والعمل على استخلاص الأفراد الصالحين وتعهُّدهم بالتربية، لمباشرة العمل الإصلاحي في إطار التنظيم الجماعي، والسعي في الإصلاح الاجتماعي في مختلَف المستويات، وإصلاح أجزاء الحكم والإدارة، الذي يأتي التركيز عليه نظرًا لدورِه الكبيرِ في تسريع عملية التجديد.

ويمكن اعتبارُ هذه المعالم بمثابة نظرية المودودي العامة في التجديد، والتي استخلصها من خلال اتصاله المباشر بالقرآن الكريم والسنة النبوية؛ إذ يقول: لقد حاولت دائمًا أن أفهم الدين، لا من خلال رجالات الماضي أو الحاضر، بل من خلال القرآن والسنة.

ثم تحدثت المؤلفة عن منهجية التجديد الإسلامي التي خطَّها المودودي، فبيَّنت أنه كان يرى أن العمل التجديدي يتطلب أن يكون من بين أهدافه الأولى ترشيد مسيرة المجتمع أو البيئة التي يعيش فيها المجدّد، بعد تشخيص أمراضها تشخيصًا صحيحًا، وتبين مكامن الانحراف ومبلغ نفوذه في مختلف المستويات.

وإن استيعاب المودودي حقيقة الإسلام، وإحاطته بالواقع الإنساني -لا سيَّما في شبه القارة الهندية- وما يحمله من تحديات، بالإضافة إلى دراسته العميقة للفكر الغربي، وإيمانه بضرورة التزام التدرج في مباشرة عمله التجديدي، جعله يرسم لكل مرحلة أهدافها الخاصة، فكانت المرحلة الأولى، مرحلة البحث ومعرفة الغاية الرئيسة للمسلم، وتتجلى في التعمق في فهم حقيقة الإسلام، والتعمق في فهم فكر الحضارة الغربية، والتأهل العلمي المكين، واكتساب العقلية البرهانية الأصيلة.

ومن ثم مرحلة النقد والتمهيد لتكوين النواة التنظيمية عن طريق نقد الأفكار الغربية الحديثة في ضوء القرآن والسنة، وعرض مبادئ الإسلام، والتمهيد لتكوين جماعة إسلامية تكون بمثابة النواة التي تنظِّم الجهود، وتدعم أفكاره التجديدية.

واستنادًا إلى هذه المرحلة، فقد وسَّع فكرة المشروع التجديدي من العمل الفردي إلى العمل الجماعي، فعمل على تعميق الوعي بمفاهيم الإسلام، إعداد نواة قيادية، والتركيز على البناء المعنوي.

وأخيرًا مرحلة الاستقلال السياسي لباكستان التي ركزت على أسلمة دستور الدولة الباكستانية، والمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، والسعي في إصلاح المجتمع، وعلى الرغم من أن هدف تطبيق الشريعة لم يتم لأن التحديات كانت أكبر من جهوده وجهود جماعته، فإن هناك أهدافًا أخرى تخلَّلت هذه المراحل، تقوم على تجديد الدين وإحيائه، ومقاومة الحركات الهدَّامة والمذاهب الإلحادية، وإعداد النواة القيادية، ومحاربة الرذائل والآفات الاجتماعية، وتكوين رأي عام إسلامي موحد في الهند وباكستان.

أما عن مجالات التجديد الإسلامي عند المودودي فبيَّنَت المؤلفة أن التجديد عند المودودي دار في المجال العقدي، حول محور أساس وهام، يتمثل في فهم الإسلام فهمًا صحيحًا من منطلق وعي تصوره للوجود والله والإنسان، كذلك تجديد الفهم للأركان التي يقوم عليها في العقيدة الإيمانية –ابتداءً- حتى يستأنف الإسلام دوره الحضاري، وأيضًا تجديد الفهم لحقيقة المجتمع الذي يتمثل تلك الأركان عقيدة وسلوكًا، عارضًا لمعالم الدين الإسلامي من منطلق اقتناعه الذاتي الراسخ بأنه الدين القيم الذي ارتضاه الله لعباده فطرة وعقلًا، وهو الدين الوحيد الصالح لكل زمان ومكان، حيث أثبت قابليَّتَه للتطبيق في الماضي، ويحظى بالقابلية نفسِها اليوم، وقد بُنِي ذلك الاقتناع على أساسين هامين: نقاء مصدره المتمثل في القرآن والسنة في عرضهما لأصول العقيدة، وواقعية التصور الإسلامي للوجود والله والإنسان ووظيفته الوجودية، وبناءً على هذا اجتهد في فهم وإدراك طبيعة الرسالة الإسلامية إدراكًا واعيًا بعيدًا عن مظاهر التأويل والمباحث الكلامية والفلسفية، التي انشغل بها العقل الإسلامي عبر القرون الماضية.

حيث بيَّن أن الإسلام يتميز بتأصيل منطقي للكون والحياة، وهو بذلك الإطار المرجعي الموجَّه الوحيد الذي يوسع تفكير الإنسان، وينقله من فكر المصادفات إلى فكر يعتمد على التعليل المنهجي والمنطقي، الذي يؤدي إلى اكتشاف العلاقات بين الظواهر والأشياء، ويوجد عقلية تستطيع الكشف عن سنن الله في الكون والحياة والإنسان، فهو الدين الوحيد الذي يتميز بسمة ترشيد مسيرة العقل الإنساني، ويجعله قادرًا على تجاوز الدلالات الجزئية للأشياء والظواهر والحياة، وربطها ببعضها لاكتشاف شبكة العلاقات والمحتوى الغائي لها.

كما اجتهد في المجال الثقافي والتربوي لإحداث نقلة نوعية في تفكير العقل المسلم –في شبه القارة الهندية- وقد كانت له إضافات متميزة أيضًا في الجانب السياسي، حيث نجده قد اجتهد في بعث مفاهيم الخلافة الراشدة على مستوى الحكم، وذلك باستحضار خطة النبوة والعهد الراشدي في صياغة معالم الحكم الإسلامي.

أما المجال الاقتصادي فقد كان موضع اهتمام وعناية من قبله، وذلك باعتباره ملموسًا وبارزًا في خارطة بناء كِيان الأمة وتجديد طاقاتها، فقد بيَّن أن الإسلام يؤمِّن نظامًا اقتصاديًّا يأمر بالاستفادة من الموارد التي سخَّرها الله للبشر بصورة معتدلة ومتوازنة، لا مجال فيها لطغيان المصلحة الفردية على المصلحة الجماعية كما هو الحال في المذهب الرأسمالي، أو طغيان المصلحة الجماعية على المصلحة الفردية كما هو الحال في الشيوعية، وأكَّد أن الإسلام ينظر إلى ثروة البشر على أنها وديعة من الله -المالك الحقيقي لها- ائتمن الناس عليها ليحققوا مقاصده بها، كما ركز في الجانب الاقتصادي أيضًا على الإصلاح الزراعي باعتبار شبه القارة الهندية منطقةً زراعيةً.

وفي الجانب الاجتماعي، طرق مجموعة من القضايا، وأزال اللبس عنها، كقضية الحجاب، وقضية تحرير المرأة الذي نادى به الغرب، وتعرض لقضية الزواج بغير المسلمات وبيَّن حقيقتها، بالإضافة إلى تصدِّيه لدعوى حركة تحديد النسل التي أُريد لها أن تكون شعبية ملزمة من قِبل الدولة، وتطرق أيضًا، إلى قانون الأحوال الشخصية المستمد من الإسلام، فبيَّن التحريف الذي لحقه في العهد الاستعماري.

وممَّا يُذكر أن الكتاب كان في الأصل أطروحةً حازت بها المؤلفة على درجة الماجستير في العلوم الإسلامية من جامعة الأمير عبد القادر بالجزائر منذ عدة أعوام.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - afeerah zainab ًصباحا 05:23:00 2009/09/16

    MASHALLAH.MOUDUDI KANA,RAJUL SAALEH.

  2. 2 - أبو أيمن مساءً 05:44:00 2009/09/28

    رحمة الله على شيخنا المودودي وجزى الأخت سهيلة خير جزاء

  3. 3 - إبراهيم من الجزائر مساءً 04:58:00 2009/10/08

    الإمام العلامة أبو الأعلى المودودي من العلماء القلائل العاملين الذين وقفوا في وجه موجة التغريب فكان يمثل سدا منيعا بقوة طرحه وحجة منطقه فرحمه رحمة واسعة و أسكنه الفردوس الأعلى

  4. 4 - برهان الدين رباني الجزائر مساءً 10:46:00 2010/01/20

    بارك الله فيك اللهم ارحم علماءنا اجعلهم نورا لن نقتدي به في دنينا وأخرتنا

  5. 5 - علي أحمد علي مساءً 10:46:00 2010/02/28

    جزا الله فضيلة الامام خير الجزاء وأسكنةبحبوحة الجنة

  6. 6 - مروة عظيمي مساءً 11:29:00 2011/03/14

    رحم الله الشيخ العلامة ابو الاعلى المودودي...و بارك الله فيك...و يا رب يوفقك ان شاء الله

  7. 7 - saeed مساءً 05:23:00 2011/11/09

    jazak allah

  8. 8 - لطيف مساءً 03:16:00 2012/06/19

    هل يمكنني تحميل الكتاب

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف