آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

الفصام في الفكر العربي المعاصر

الاربعاء 10 رمضان 1432 الموافق 10 أغسطس 2011
الفصام في الفكر العربي المعاصر
 

الكتاب:

الفصام في الفكر العربي المعاصر

المؤلف:

غريغوار منصور مرشو

الطبعة:

الأولى – 2008م

عدد الصفحات:

352 صفحة من القطع الكبير

الناشر:

دار الفكر- دمشق – سوريا

عرض:

محمد بركة


الفصام مرض نفسي خطير، فإذا أصاب الفكر فسوف ينعكس هذا على أصحابه بالسوء... لماذا أصيب الفكر العربي المعاصر بهذا المرض؟ هل هو بسبب التحديث؟ ما طبيعة الإصلاحات والتحديث في الإمبراطورية العثمانية ثم في سورية ولبنان ومصر؟ كيف دخلت العلمنة والحداثة الغربية؟ كيف احتدمت أزمة الهوية في غياب المرجعية القومية وفي ظل تأسيس أحزاب متطرفة؟ هل الحزب الواحد والنظام الاشتراكي يحل المشكلة؟

هذه التساؤلات وأمثالها نجدها في كتاب  "الفصام في الفكر العربي المعاصر" للكاتب غريغوار منصور مرشو، والذي صدر حديثًا عن دار الفكر في دمشق السورية والذي يرى فيه المؤلف ضرورة قيام مجتمع حضاري لحساب نظام فكري جديد مبدع. كما يعالج المؤلف في هذا الكتاب مشكلات الفصام الفكري والثقافي الذي أصاب الوطن العربي والآثار المادية المترتبة على ذلك في المجتمع الحديث، ومن أهمها انشطاره إلى معسكرين متناحرين، حداثي وسلفي.

استبطان النموذج الغربي

جاء الكتاب في قسمين، تناول القسم الأول وعبر ثلاثة فصول المسارب الفكرية والعملية، التي تحول فيها ومن خلالها النموذج الغربي المستبطن في وعي النخب العربية الجديدة، إلى وقائع وتحولات شكلت ما سمي بعصر النهضة والإصلاحات وبناء الدولة الحديثة. وقد بدأت هذه التحولات أولاً في الدولة العثمانية، التي عاشت عددًا من التحولات السياسية والعسكرية، والاجتماعية والاقتصادية والحكومية، منذ عهد السلطان سليم الثالث (1789-1807) حتى عهد السلطان عبد الحميد (1876-1909).

ويستعرض المؤلف عددًا من هذه المسارات، التي لا تُمثل بذاتها مؤشرات مستقلة بقدر ما تمثل المسار الذي تعمقت فيه آليات وأدوات الهدم لكل البُنى القديمة، على مستوى الاقتصاد والاجتماع والبناء الحكومي، ليس لخدمة وتطوير هذا الكيان، وإنما لزيادة فرص الهيمنة الاقتصادية والسياسية عليه من قِبل الدول الأوروبية، لاسيما وأن هذه التحولات كانت تتم في إطار ما يسمى استبطان النموذج الغربي، وفي ظل تنامي رغبة قطاعات واسعة في التقليد الأعمى للغرب.

وقد قاد ذلك إلى ولادة فئة تعلن عن هوية جديدة في قلب المجتمع العثماني، عبرت عنها المجموعة الكمالية بقولها: نحن أوروبيون، وهذا هو انتماؤنا بالإجماع كلنا. هذه العبارة على لساننا مثل جوقة النشيد العسكري المثير على نحو خاص، وعلى شفاه الفقراء والأغنياء، والشباب والشيوخ. أن تكون أوروبيًا هذا هو مثالنا.

في المشرق العربي، كان محمد علي قد وضع نصب عينيه شعار بناء الدولة الحديثة كحل للواقع المتردي، الذي تكشفت عنه أحوال البلاد بعد الغزو النابليوني لمصر. وإذا لم يكن في هذا الشعار ما يعيب؛ فإن أدوات محمد علي لتحقيقه أدت في المحصلة إلى فشل هذا المشروع، وإلى وضع مصر تحت هيمنة ووصاية الدول الأوربية.

لقد رأى محمد علي أن الواقع مغرق في الانحطاط، فقرر قطع صلته بالموروث الثقافي والاجتماعي والاقتصادي المحلي، وعمل على استجلاب نماذج وحلول جاهزة، عبر الاستعانة بالأوروبيين ممثلي النموذج الحضاري والتقدمي الذي كان يسعى إليه، وصاغ محمد علي كل مشروعاته الزراعية والصناعية بما يتواءم مع ضرورات ومتطلبات الاقتصاديات الغربية. وعلى هذا ظلت مسيرة التحديث التي انتهجها محمد علي غريبة، ومعزولة عن الواقع الاجتماعي والثقافي المحلي، بل وربما متعارضة معها إلى حد كبير. لكن الأثر الأكبر لإصلاحات محمد علي كان على مستوى تعميق التبعية الفكرية والثقافية للغرب، نتيجة للتدريب المنهجي للنخب المبهورة بالغرب والمدجنة لصالحه، التي شكلت قنوات وأدوات الهيمنة الثقافية للمستعمر في المنطقة.

المرآة هو الآخر

بينما في الفصل الثاني يتوقف المؤلف أمام عدد من ممثلي هذه النخب الجديدة، وهي برأيه نخب مغربة مقتنعة بعالمية النظم والقيم الثقافية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية الغربية إلى حد كبير، ويتوقف بنا مع رفاعة الطهطاوي، وقاسم أمين، وأديب إسحق، وفرنسيس المراش، وفرح أنطون، وغيرهم ممن عمل على التأسيس لاستنبات النموذج الغربي في البيئة العربية. وهو يقدم لنا أنماطًا من تلك النخب تحت عنوان المرآة هو الآخر، والتي يتماهى فيها الآخر المتخيل في وعي ممثل النخب الجديدة، بما كان يجب أن تكون الذات عليه.

يقول الطهطاوي - في محاولة لإضفاء الشرعية على النقل العلمي والحضاري عن الغرب - في كتابه مناهج الألباب: إن هذه العلوم الدقيقة العملية، التي تبدو الآن علومًا أجنبية هي علوم إسلامية، والأجانب هم الذين ترجموها عن الكتب العربية. هذه المقولة تمثل خير تمثيل تلك الرغبة في التماهي مع الآخر، والرغبة التي كانت مسيطرة آنذاك على وعي ممثلي النخب الجديدة، سواء في قراءتهم للتراث كما فعل فرح أنطون، أو في قراءتهم للواقع كما فعل فرنسيس المراش، أو في تحديدهم لصورة المستقبل المنشود حضاريًا، كما فعل يعقوب صروف وطه حسين ولطفي السيد. وهو ما يحمل المؤلف  على استنتاج أن هذا الموقف المهووس حيال النموذج الغربي (صورة المستقبل) لا يحوّل فقط دور الإنتلجينسيا (النخبة المثقفة) إلى دور المستهلك الخالص للأفكار، وإنما يجعل من أعضائها سماسرة مروجين للتيارات الثقافية وأنماط فكر الآخر على أساس أنه الشرط الضروري للمشاركة في محفل الحضارة الغربية الكونية. لهذا السبب نصّب هؤلاء الرواد الحداثيون أنفسهم - ومن خلال منظار الآخر - قضاة في مجتمعاتهم من أجل تحرير سكان الجنوب من الشرقي المنحط، وهو النعت الذي اتخذ بمثابة لعنة ملصقة بجسدهم.

إن هذه الآلية النفسية المعرفية - التي يتحدث عنها المؤلف - تمثل المقاربة الرئيسية في معالجته للنصوص والأفكار موضع البحث والدراسة، حيث نجد الرغبة في التماهي مع الآخر الغربي، والسعي المحموم إلى الاقتراب منه على كافة خطوط التماس الفكري والسياسي والاجتماعي والتلفح بردائه، هذه العوامل كانت هي الدافع الأعمق لكثير من الممارسات الفكرية التي وسمت تلك المرحلة، ولا تزال امتداداتها موجودة في حاضرنا اليوم.

فعلى أساس من منظور علماني رأى فيه ممثلو النُخبة الفكرية الجديدة خشبة الخلاص للشرق المتخلف، قام هؤلاء بممارسة نقدهم للموروث الديني، ودوره في المجتمع وبناء الدولة، معبرين عن قناعة لخصها شبلي شميل بقاعدته التي تقول: إنه لا يصلُح حال الأمة إلا كلما ضعفت فيها شوكة الديانة، ولا يقوى شأن الديانة إلا كلما انحط شأن الأمة.

هذه القناعة بشأن الدين ترافقت مع قناعة أخرى أشبه بالإيمان الجديد، وهي الإيمان بالعلم الحديث، وإنجازاته التي سحرت الأنفس وبهرت العقول، حتى صار العلم الحديث هو الشعار الأبرز، والحجة الأقوى في أيدي دعاة الاستنبات الحضاري الغربي في الشرق العربي، وصارت الفلسفات والنظريات الغربية عناوين بريدية لممثلي النخبة الفكرية الجديدة؛ فشبلي شميل هو سفير فلسفة النشوء والتطور، وهو ممثل بوخنر في الشرق، وإسماعيل مظهر يتحزب لداروين ونظريته في أصل الأنواع، أما سلامة موسى الذي نشر أول كتاب له بعنوان (مقدمة السوبرمان) فقد صار وكيل نيتشه، وممثل الاشتراكية الفابية في الشرق.

الإصلاح الإسلامي والحداثة

في الفصل الثالث، تحت عنوان "الإسلام أمام الحداثة"؛ يتوقف المؤلف أمام الجهود النظرية والعملية لتيار الإصلاح الإسلامي، ممثلاً برموزه الأساسيين (الأفغاني – عبده – رشيد رضا). ويرى المؤلف أن الأفغاني الذي أدرك ما سيؤول إليه واقع الدول الإسلامية في ظل معرفته المباشرة للغرب وتوجهاته، وفي ظل إدراكه لواقع حال المسلمين، بقي حبيس التجاذب بين تعلقه بتاريخ وثقافة الشرق ودفاعه عنهما، ورغبته الشديدة في التماهي مع الغرب باعتباره نموذجًا للتقدم والحضارة، إذْ ذهب إلى أن الدواء الأكيد لكل مشاكل وأمراض المسلمين يكمن في منظور الدولة/ الأمة الحديثة، التي كانت مرتهنة آنذاك بيد توازن القوى بين الأمم الكبيرة.

وإذا كان الأفغاني قد كرس أغلب جهده في المسائل السياسية؛ فقد توجه تلميذه محمد عبده نحو القضايا الفكرية، فخاض سلسلة سجالات مع كل من: أرنست رينان، وفرح أنطون، وهاناتو، أفضت به – كما يعتقد المؤلف  – إلى الاعتراف بمعظم ما تقدم به كل هؤلاء من حكم على عالم المسلمين بالانحطاط المتعدد الأبعاد.

أما دفاعه عن الإسلام والمسلمين؛ فقد اتبع فيه سيرة غريبة، إذ عمد إلى نبذ كل ما رآه سلبيًا من واقع المسلمين واعتبره غير إسلامي، ثم نسب كل ما رآه إيجابيًا في حضارة الغرب إلى الإسلام الحقيقي. كما انتقد عبده المذهب الكاثوليكي، ولم يخف إعجابه بالمذهب البروتستانتي، لكنه أرجع فضائل الأمم البروتستانتية إلى احتكاكها مع المسلمين.

ومضى يشيد بموقع العقل في الحضارة الغربية، مؤكدًا أن الإسلام هو دين العقل، وذلك دون النظر بعين الاعتبار للكثير من الفروق في الفهم، أو في التطور التاريخي للمفاهيم والممارسات العقلية. لذلك يرى أن عقلانية عبده جاءت على نحو دفاعي تبريري، لتعانق التحصيل الحاصل، دون إعمال الفكر لاجتراح عقلانية مبدعة، تفكر بإمكانات الواقع وتنقد عقلانية الآخر التي احتسبت كونية.

وإذا كان الجيل الأول من الإصلاحيين قد بذل جهده في محاولة تطهير الإسلام، وإنشاء نوع من التناظر بين مبادئ العقل والعلم في الإسلام ونظيرتها في الغرب؛ فإن الجيل الثاني من الإصلاحيين سوف يجتهد لمطابقة مفهوم الدولة الإسلامية مع نموذج الدولة- الأمة الحديثة في الغرب. ونجد بداية هذا النزوع عند الأفغاني، وعند عبده إلى حد ما، وهو يبلغ ذروته مع علي عبد الرازق، صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم، الذي ينفي فيه مسألة الخلافة جملة وتفصيلاً، ويقول إنه لم يجد في القرآن ولا في السنة ما يؤكد الرأي الذي يقول بوجوب تنصيب الإمام، ولكي يدعم حجته فهو يحيلنا إلى كتاب الخلافة للسير توماس أرنولد.

متاهة الوعي والتشكل الكاذب للوعي الوطني

بينما جاء  القسم الثاني من الكتاب، تحت عنوان "متاهة الوعي"، وفيه  يتوقف الكاتب بالتحليل المعمق لآليات تشكل مفهوم الأمة – الدولة، باعتباره نموذجًا لتحقيق التقدم وإنجاز القفزة الحضارية، لكن بناء مفهوم الدولة الحديثة يتطلب هدم نموذجها القديم.

ومن خلال التتبع التاريخي والفكري لأنماط الوعي والممارسة العربية؛ يبدو جليًا أن النخب الجديدة أفلحت في عملية الهدم، ولكنها لم تفلح في عملية البناء. هذا إضافة إلى عدد من مرفقات وتوابع هذه المفاهيم الجديدة المستجلبة، التي من أهمها أن بناء مفهوم الدولة/ الأمة يتطلب تكريس كل الجهود لمكافحة وإزالة الدين، سواء على مستوى الدولة أو على مستوى الوعي المجتمعي، لكن هذه الجهود لم تفلح كذلك سوى في استجلاب نماذج شمولية، يمكن كذلك تسميتها بالأديان الجديدة، سواء منها القومية أو الاشتراكية.

من مرفقات وتوابع هذا الوعي الجديد المتشكل والمستمد من مقولات منسوخة عن ماركس بألا نكتفي بتفسير العالم، وإنما نعمل على تغييره؛ كان الجيش هو الأداة الأسرع والأكثر فعالية للتغيير، مما أسس للاستبداد كسياسة وحيدة لتحقيق القفزات الكبرى نحو التقدم المأمول، والخروج من أسر رجعية وظلامية الوعي الجماهيري المتمسك بالقديم.

كل هذه المقدمات أدت في المحصلة إلى تفكيك الدولة، مما تمخض عن الدولة القُطرية، وتفكيك الأمة الذي تمخض عن أمم ومجموعات عرقية ودينية، وأيديولوجيات إقليمية وقُطرية أسست لما يسميه الكاتب بالتشكل الكاذب للوعي الوطني، الذي عبرت عنه الهويات والانتماءات المختلفة المكرسة للتفرقة القبلية والطائفية والأقوامية والجهوية والعرقية.

يُمثل هذا الحال خير تمثيل الواقعُ اللبناني، ونموذجه الخطاب الماروني الذي يرى المؤلف  أنه قد نشأ كمشروع في الساحة الدولية قريبًا حوالي عام (1838م)، وقد رعته فرنسا، وأسست له كمشروع لإقامة وطن للمسيحيين في الشرق العربي. ويشير المؤلف في كتابه هذا - ومن قبلُ في كتابه مقدمات الاستتباع - إلى أن هذا المشروع هو الشق الآخر للمشروع البريطاني الهادف إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين.

يمثل (ميشيل شيحا) الخطاب الماروني خير تمثيل؛ فهو المنظر للأيديولوجية القومية اللبنانية بامتياز. ويتوقف المؤلف بشكل تحليلي ونقدي مفصل أمام مكونات هذا الخطاب، فهو يمثل بحق أعلى درجات الوعي المزيف، الذي أفرزه تفكك الدولة والأمة بمعناهما التقليدي، الذي ظل مهيمنًا حتى نهاية عهد الدولة العثمانية. فبالنسبة لميشيل شيحا؛ يبدأ التاريخ الرسمي للدولة اللبنانية يوم غزا الجنرال غورو لبنان، لذلك يقول: لقد كان يوم الأول من أيلول عام 1920 يومًا مصيريًا بالنسبة إلى لبنان، إذ به عرف الولادة والنهضة معًا.

ويسترسل ميشيل شيحا في تقرير مقومات الشخصية اللبنانية الحضارية والتاريخية، وخصوصية البلد، وخصوصية المكان والإنسان، وغير ذلك من مكونات البناء الأيديولوجي لأي فكر قومي مصنّع. أما الهدف من كل ذلك فهو عزل لبنان عن محيطه العربي والإسلامي، بل وحتى عن تاريخه وانتماءاته وتطلعاته.

ويذهب منير شمعون إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث تقوده دراساته الأنثربولوجية إلى تلمس الخصوصية الإثنية للنموذج السلالي اللبناني، ليؤكد في نهاية بحثه على فرادة وخصوصية الشخصية اللبنانية.

من خلال هذا النموذج لأنماط الوعي الزائف المتشكلة، يواصل المؤلف  تحليله لنماذج أخرى؛ كالنموذج المصري والقومية المصرية، كما عبر عنها لطفي السيد، وسلامة موسى، وطه حسين وغيرهم. والحقيقة أن كافة أنماط الوعي المنتج من قِبل شرائح النخبة المستلبة للنموذج الغربي - سواء القُطرية منها أو الإقليمية أو حتى القومية - وكل ما أنتجه مثقفو المرحلة الماركسية ودعاة البناء الاشتراكي، يرى الكاتب في كل تلك الأنماط نموذجًا لهذا الوعي المزيف، الذي أسس لكل أشكال الزيف الفكري، والسياسي والسلوكي، والاجتماعي الذي تعيشه الشعوب العربية في واقعها الراهن.

لقد كان محصلة ذلك كله أن هذا النمط من الفكر الوافد بطريقة استهلاكية عرّض المجتمع إلى سلسلة من الخرائب: جوف الأرض مفرّغ، تربة منهكة، قطاع زراعي مدمر، شبيبة ممزقة مبعثرة عائمة ضحية للمنافي، وسكان مهمشون مجوعون، وكفاءات مهدورة، مُحَوَّلة بالمزايدات إلى أيدي عاملة رخيصة مصدرَة للبلدان الصناعية.

هذا الفصام الذي عرض المؤلف  إشكالياته لدى مختلف التيارات لا يزال يحكم خطاباتها إلى اليوم ويتحكم بأفعالها، ويمكن أن نلحظ من خلال الكتاب التركيز على فكرتين أساسيتين – اختلف وتفاوت ظهورهما من تيار إلى آخر - هما من أهم مظاهر هذا الفصام: الفكرة الأولى كانت ادعاء كونية الحداثة الغربية ومنذ عهد اليونان، وهذه الفكرة كانت هي المحرك الفعلي للأيديولوجيات الحداثوية، وادعاء أولوية العقل على الإيمان، وبالمقابل كانت الفكرة الثانية كنتيجة للأولى - وهي الأهم - تبخيس الواقع الداخلي والثقافة الشعبية لصالح ثقافة عالمة وافدة، فلم يحسب للسكان أي حساب وهمشوا ولم يحتكم إليهم، واتهمت الثقافة العربية التقليدية بأنها مجرد شرح ديني لاهوتي، بل واتهمت اللغة العربية وتم تشويه القرآن، واللجوء إلى إقصاء كل ما يبدو أنه مدلل على دونية ما، والانفصال عن الحس المشترك للاصطفاف إلى جانب الدولة الحديثة.

فكان هاجس النخب الأساسي اللحاق بأسرع وقت بالنظام الغربي لسد ثغرات التأخر المتراكم، ولم تشتغل الخطابات قط من أجل توضيح وتحليل الواقع تبعًا لتاريخيته الخاصة، بل لجأت إلى تبريرات للفشل المتعاقب للحداثة ترجعه إلى واحد من المشاجب كالتقاليد أو الدين أو الروح التاريخية أو الصدمة النفسية... وعجز العقل العربي الحداثي عن الجواب عن المسائل الأساس للمعرفة، وينتهي الكتاب إلى أن كيفية استدخال الحداثة ذاتها هي التي تلغم الأسس الأخلاقية والمادية للمجتمع العربي وليس استمرار البنى التقليدية الموصوفة بالبدائية واللاعقلانية، وذلك بَدْءًا من القرن التاسع عشر وإلى اليوم.

ومما يذكر أن  غريغوار منصور مرشو، باحث ومدرس سوري يعمل  في جامعات حلب، وهو مجاز في الفلسفة والأدب الفرنسي، ويحمل دكتوراه دولة من باريس، وهو عضو هيئة مجلات شرقية الباريسية، وله عدة مؤلفات منها : مقدمة في الاستتباع ـ الشرق موجود بغيره لا بذاته، من المثاقفة إلى الفصام الحضاري، العدوى في تشكيل الفكر العربي الحديث والمعاصر، نحن والآخر.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف